هل كانت "الزنبقة السوداء" تعبيرا عن افتخار صاحبها بجذوره الأفريقية؟
ألكسندر دوما يخترع رواية وتاريخاً هولندياً وزهرة بلون الليل ليعلن حبه لجدته
هل كانت "الزنبقة السوداء" تعبيرا عن افتخار صاحبها بجذوره الأفريقية؟ 1553
ألكسندر دوما الأب (غيتي)
قد لا تكون رواية "الزنبقة السوداء" التي تعاون ألكسندر دوما على كتابتها مع أوغست ماكيه، ونشرها في عام 1850 أشهر روايات هذا الكاتب الفرنسي الكبير، لكنها من دون ريب روايته التي قرئت أكثر من أي رواية أخرى له بما في ذلك "الفرسان الثلاثة" و"الكونت دي مونت كريستو"، لكنها سرعان ما تغيب عن الذاكرة حين يخطر دوما في البال ويستعاد مجده الأدبي. وربما يعود السبب إلى كونها تروي أحداثاً لا علاقة لها لا بالتاريخ الفرنسي الذي اعتاد أن يركز اهتمامه عليه ولا بالواقع الفرنسي نفسه. المهم أنه ما إن تذكر الرواية على أي حال حتى يستعاد ذكرها وذكر موضوعها، وكم أنها خلقت لدى قرائها مشاعر بالمتعة والرضا من قراءتها، وباكراً بالنسبة إلى معظم القراء. ويمكن القول بطبيعة الحال وبالاستناد إلى معرفتنا بأدب دوما الأب هذا - والأب تمييزاً له عن ابنه الذي يحمل الاسم نفسه، واشتهر بمسرحيته "غادة الكاميليا" - أنها رواية مغامرات تستخدم التاريخ وفعله في حياة الأفراد ومصائرهم بأكثر مما تفعل بالعكس، أي بأكثر مما تتحدث عن التاريخ ودور الأفراد في صنعه. ومن هنا، كانت تلك الشعبية التي طغت على أدب دوما وجعلته يبدو على الدوام معاصراً ومرضياً للقراء في كل زمن وفي أي لغات ترجم إليها، ثم إن لـ"الزنبقة السوداء" ميزة أخرى حببتها إلى القراء، وتتمثل في طولها المعقول مقارنة بروايات تاريخية أخرى تنتمي إلى زمن كتابتها الذي اشتهر بمطولاته التاريخية. ولنضف من ناحية أخرى أن مكان أحداث الرواية لعب دوراً في خروجها السريع من ذاكرة قرائها فور قراءتها.
بين العلم والغرام

لكن الجانب المشرق في هذه الرواية إنما يرتبط ببعديها العلمي والغرامي في تضافرهما. فعم تتحدث رواية "الزنبقة السوداء"؟ بالتحديد عن أعجوبة علمية زراعية حققها سجين لم يعرف أبداً لماذا تم سجنه، لكنه كان حين أودع السجن، من الشطارة بحيث اصطحب معه إلى داخل زنزانته، وفي غفلة عن سجانية بصيلتي زهرة كان يشتغل عليها قبل إيداعه السجن. لقد مكنه ذلك من أن يتابع عمله سراً داخل الزنزانة حتى يتوصل إلى إنتاج الزنبقة السوداء التي كانت سلطات زراعية في هولندا، حيث يعيش وتدور الأحداث، قد أطلقت من أجل الحصول عليها مسابقة جائزتها 100 ألف فلورين، كان السجين يسعى إلى الحصول عليها. ولقد كان من حسن طالعه أنه داخل السجن تمكن من أن يودع لدى ابنة السجان روزا التي سرعان ما ارتبط بها بحكاية غرامية، إحدى البصلتين على سبيل الاحتياط. ولكن، قبل أن نتابع هنا هذه الحكاية لا بد أولاً من الإجابة عن سؤال بديهي لا شك في أن القارئ يتطلع للحصول على جواب عنه: من هو السجين؟ وفي أي ظروف وصل إلى هنا؟
هل كانت "الزنبقة السوداء" تعبيرا عن افتخار صاحبها بجذوره الأفريقية؟ 1-46
مشهد من اقتباس سينمائي للرواية بإخراج كريستيان – جاك (موقع الفيلم)
ضحية السياسة وتقلباتها
السجين شاب يدعى كورنيليوس فان بايرلي، وهو يدرس الطب إلى مستوى يعتبر معه اليوم طبيباً متدرباً، لكنه آثر أن يتوجه إلى دراسة البستنة غير مهتم بأي شيء آخر في الحياة، حتى ولا بالأحداث السياسية التي تعصف بالبلد في ذلك الحين، وذلك على رغم أنه ربيب السياسي كورنيل دي ويت الذي تمكن الأمير وليام أوف أورانج من إطاحته وأخيه فيما كان يمارسان حكماً جمهورياً عادلاً في البلاد. وإذ تم لوليام القضاء عليهما بفضل انتفاضة شعبية تزعمها في البلاد، شكلياً، ولكن بفضل دعم الإنجليز وملكهم تشارلز الثاني عملياً، كان من الطبيعي أن يطاول الاضطهاد كل من له صلة بالأخوين دي ويت. وهكذا، دخل الجنود يوماً منزل البستاني الشاب ليجدوا عنده رسائل عائلية موجهة إليه من عرابه المهزوم. وكان ذلك كافياً لاعتقاله من دون أن يقال له لماذا. والحقيقة أن كورنيليوس لم يبال بما يحدث له، وتحديداً لأنه تمكن من تهريب البصلتين، ومن ثم إيداع إهداهما لدى روزا ابنة السجان كما ذكرنا، وثانياً لأن ارتباطه بروزا خفية عن أبيها، هون عليه السجن.
ويقودنا هذا بالطبع إلى ذلك المشهد الذي يعد الأشهر في الرواية. فذات مساء، وفيما كانت الريح تعصف في كل الأنحاء حول معتقل لوفنشتاين الذي تدور فيه الأحداث الأساسية، يتسلل السجان العجوز الملقب بـ"غريفوس"، وهو والد روزا، خفية، ومن دون إحداث أي ضجة إلى الزنزانة التي يقبع فيها سجينه الذي من الواضح بالنسبة إليه أنه ذو مكانة يمكنها أن تبرر سجنه وسط الظروف السياسية الحالكة، وكله رغبة في أن يعرف ما الذي يفعله السجين ويخفيه طوال نهاره وليله. فالعجوز بحدسه الشرير كان يحس منذ البداية أن عليه أن يكون شديد الحذر تجاه من يفترض أنه عدو شرس للحاكم الجديد. ولقد كان السجان قد حاول البحث والتحري طويلاً خلال الأيام الماضية، لكنه لم يتمكن من معرفة ماذا يحصل. أما هذا المساء فإنه سيباغت كورنيليوس على غير توقع، وليكن ما يكون. وهكذا يفتح دفة الباب على مهل وينظر بدهشة قبل أن يطلق صرخة انتصار مريعة أفلتت منه رغماً عنه. ففي وسط الزنزانة كان السجين جالساً وبين يديه غرض اندفع غريفوس لانتزاعه منه. ولما انتزعه زادت دهشته. فذلك الغرض السري الغامض لم يكن سوى إناء مليء بالتراب. وحين اشتغل عقل غريفوس البسيط كان كل ما فعله أنه غرس كفه في الإناء وأخرج بصلة سوداء اللون فيما كان كورنيليوس يصرخ بهلع: أعد إليّ زنبقتي! أعد إليّ الزنبقة! وعلى الفور هنا ومن دون أن يفهم هو نفسه ما يفعل رمى غريفوس البصلة أرضاً إذ هجم عليه السجين وراح يدوسها بحذائه الغليظ وسط زعيق كونيليوس ونواحه.
تلك النهايات السعيدة

ولقد احتاج غريفوس إلى فسحة من الوقت قبل أن يدرك أن ما حطمه لم يكن زنبقة عادية، بل تحديداً تلك الزنبقة الأسطورية: الزنبقة السوداء! استبد الغضب والحزن بكورنيليوس، لكنه سرعان ما هدأ حين تذكر أن هناك بصلة أخرى مودعة لدى روزا التي من المؤكد أنها لن تفضي بالسر إلى أبيها أو إلى أي كان، ولكن السؤال الجديد هنا يبقى، وسط تشويق مدهش من الروائي: هل تمكنت روزا يا ترى من أن تعتني بالبصلة السوداء كما ينبغي فتنقذ المشروع كله وتصبح امرأة لكورنيليوس وليس لأنها أنقذت زنبقته فحسب، بل لأنه يحبها بالفعل؟ تلكم هي المسألة الآن، وهنا تتجلى قوة ألكسندر دوما كروائي متفرد، حتى وإن كنا كقراء نعرف كيف ستكون خاتمة الرواية. ففي النهاية كانت الروايات التاريخية أو غير التاريخية تتميز في ذلك الزمن بنهاياتها التي لا بد أن تكون سعيدة، ولكن من المؤكد أننا هنا لن نواصل سرد الحكاية حفظاً لعنصر التشويق، بل سنتوقف متحولين إلى الحديث عن ذلك الأسلوب التشويقي الذي دائماً ما طبع روايات دوما، ولكن كذلك عن رمزية اللون الأسود الذي غالباً ما نجده حاضراً في رواياته وصولاً إلى حضوره الأساسي هنا. فدوما كما بات معروفاً يجري في عروقه دم ذو جذور أفريقية تحدرت منها جدته المباشرة التي كانت إمرأة لجده الجنرال الذي خاض حروباً طاحنة باسم فرنسا في مناطق متعددة من العالم، ومن بينها أميركا الوسطى. ولسوف يبقى كاتبنا فخوراً بتلك الجذور راغباً في التعبير عن تمسكه بها. ويرجح كثير من الباحثين والمؤرخين أن يكون قد أوصل شغفه هذا باللون الأسود إلى ذروة رمزية في هذه الرواية بالذات، حيث من الواضح أن شغف بطله بزنبقته السوداء، ومن ثم شغف فتاته به معبرة عن حبها بالحفاط على الزنبقة التي صارت في عهدتها، يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بتلك الجذور.


المصدر:مواقع ألكترونية