مَعَيْرَةُ الْلُّغَاتِ بَيْنَ الْبُعْدَيْنِ الْأَكَادِيمِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ - اَلْلُّغَةُ الأَمَازِيغِيَّةُ فِي الْمَغْرِبِ أُنْمُوذَجاً -1-
مَعَيْرَةُ الْلُّغَاتِ بَيْنَ الْبُعْدَيْنِ الْأَكَادِيمِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ - اَلْلُّغَةُ الأَمَازِيغِيَّةُ فِي الْمَغْرِبِ أُنْمُوذَجاً -1-  101412
 يرتبط نجاحُ انتقال اللّغات من الوضع اللّهجيّ إلى الوضع المعيار بشكلٍ كبيرٍ بمدى نجاعة التّدبير «الأكاديميّ»، أي تحرّي النّهج العلميّ في الأطوار المحدّدة لسيرورة المعيرة، وتدخّل العامل «السّياسيّ» في إصدار التّشريعات اللّازمة لتثبيت المعايير اللّسانيّة، وترسيخ مخرجات البحث الأكاديميّ في الحياة العامّة.
 وبالنّسبة للّغة الأمازيغيّة، فقد باتَت تعيشُ في المغربِ منذ زهاء عقدين من الزّمن مرحلة تحوّلٍ كبيرةٍ تفاعلت فيها المضامين السّياسيّة والعلميّة لتخلق حراكاً ثقافيّاً واجتماعيّاً قوامه الانتقال التّدريجيّ من الوضع الشّفويّ إلى الوضع المكتوب، حيث شكّل تأسيس المعهد الملكيّ للثّقافة الأمازيغيّة سنة 2001م، وإدماجها في المنظومة التّعليميّة سنة 2003م، وترسيمها سنة 2011م، فضلاً عن حركيّة الإنتاج الأدبيّ باللّغة المعيار، وتنامي الوعي النّخبويّ والشّعبيّ بالمشروع الأمازيغيّ، أبرز تجليّات هذا التّحوّل.
غير أنّ وضعها السّوسيولسانيّ يطرح تساؤلاتٍ كثيرةً مرتبطةً بوتيرة وأشكال تدبير هذه الدّيناميّة الواسعة، سياسيّاً وأكاديميّاً، لا سيّما أنّ أهمّ قنوات صرف هذا المشروع ماتزال تعاني من إشكالاتٍ بنيويّةٍ عميقةٍ، ويتعلّق الأمر بتدريس اللّغة الأمازيغيّة. ولهذا يحقّ لنا، بعد مرور أكثر من عشرين سنةً من بداية هذا الورش الكبير، مساءلة ما تمّ تقديمه وتقييمه للخروج بخلاصاتٍ كفيلةٍ برسم صورةٍ واضحةٍ حول واقع اللّغة الأمازيغيّة ومستقبلها بالمغرب.
فهل يوجد فرقٌ بين اللّغات في تعرّضها لسيرورات التّهيئة والمعيرة؟  وكيف انتقلت اللّغة الأمازيغيّة «فجأةً» من الوجود بالقوّة إلى الوجود بالفعل، حسب التّعبير الأرسطيّ؟ وما الملابسات الّتي تمّ فيها تبنّي قضيّة المعيرة ونشدان التّوحيد؟ وما موقع التّنوّعات الأمازيغيّة، خاصّةً أمازيغيّة الأطلس في هذه الدّيناميّة؟ وهل التّدبير العلميّ والنّظريّ الفعّال وحده كفيلٌ بتحقيق انتقالها إلى لغةٍ ممعيرةٍ وموحّدةٍ؟
الكلمات المفتاحية: اللّغة الأمازيغيّة – المغرب -التّهيئة اللّسانيّة – المعيرة اللّغويّة – التّدخّل السّياسيّ – التّدخّل الأكاديميّ.
مَعَيْرَةُ الْلُّغَاتِ بَيْنَ الْبُعْدَيْنِ الْأَكَادِيمِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ - اَلْلُّغَةُ الأَمَازِيغِيَّةُ فِي الْمَغْرِبِ أُنْمُوذَجاً -1-  11027
تقديم:
تعيشُ اللّغة الأمازيغيّة في المغرب منذ حوالي عقدين من الزمن مرحلة تحوّلٍ كبيرةٍ قوامها الانتقال التّدريجيّ من الوضع الشّفويّ إلى الوضع المكتوب، حيث شكّل تأسيس المعهد الملكيّ للثّقافة الأمازيغيّة، وتنامي الوعي النّخبويّ والشّعبيّ بالمشروع الأمازيغيّ، وإدماج اللّغة الأمازيغيّة وتنوّعاتها اللّسانيّة في المنظومة التّعليميّة، فضلاً عن حركيّة الإنتاج الأدبيّ باللّغة المعيار، أبرز تجليّات هذا التّحوّل.
ورغم ذلك يطرح هذا الوضع السّوسيولسانيّ تساؤلاتٍ كثيرةً مرتبطةً بوتيرة وأشكال تدبير هذه الدّيناميّة الكبيرة، خاصّةً أنّ أهمّ قنوات صرف هذا المشروع ما تزال تعاني من إشكالاتٍ بنيويّةٍ عميقةٍ، ويتعلّق الأمر بتدريس اللّغة الأمازيغيّة؛ ممّا سيجعل لاحقاً أغلب المغاربة لا يعرفون القراءة والكتابة بأبجديّة «تيفيناغ»؛ إذ كيف سيتعاملون مع الوثائق الرّسميّة الأمازيغيّة، من حيث فهمها واستيعاب مضامينها، لا سيّما أنّها ستكتبُ بهذا النّمط من الحروف، كما هو الشّأن بالنّسبة لمنشورات المعهد الملكيّ للثّقافة الأمازيغيّة وبعض المنابر الإعلاميّة كالقناة الثّامنة “تَامَازِيغْتْ” وجريدتي “العالم الأمازيغيّ”…؟ الأمر الّذي سيُحتّم عليهم البحث عن مترجمٍ لفهم لغتهم الأصليّة الّتي ناضلوا من أجلها زمناً طويلاً.
ولهذا يحقّ لنا، بعد مرور زهاء عشرين سنةً من بداية هذا الورش الكبير مساءلة ما تمّ تقديمه وتقييمه، للخروج بخلاصاتٍ كفيلةٍ برسم صورةٍ واضحةٍ حول واقع اللّغة الأمازيغيّة ومستقبلها بالمغرب. ومن ثمّ تستهدف هذه الدّراسة تسليط الضّوء على الطّريقة أو الاستراتيجيّة المثلى لتهيئة اللّغة الأمازيغيّة وتوحيدها، وذلك بمراعاة كلّ تنوّعاتها الجهويّة والمحلّيّة، وبالتّقليل من الاختلافات اللّهجيّة قدر الإمكان (1).
فما المقصود باللّغة المعيار؟ وهل يوجد فرقٌ بين اللّغات في تعرّضها لسيرورات التّهيئة والمعيرة؟ وما الّذي يترتّب عن وضع المرتكزات الأساسيّة لمشروع معيرة أيّة لغةٍ؟ وكيف انتقلت اللّغة الأمازيغيّة «فجأةً» من الوجود بالقوّة إلى الوجود بالفعل، حسب التّعبير الأرسطيّ؟ وما الملابساتُ الّتي تمّ فيها تبنّي قضيّة المعيرة ونُشدَان التّوحيد؛ حتّى صار، على حين غرةٍ، الذّئب والحمل صديقين ودودين؛ لا الأوّل يفكّر في أكل الثّاني، ولا الثّاني يخاف أن يأكله الأوّل؟ وما موقع أمازيغيّة وسط المغرب في هذه الدّيناميّة الواسعة؟ وهل التّدبير العلميّ والنّظريّ الفعّال وحده كفيلٌ بتحقيق انتقالها إلى لغةٍ ممعيرةٍ وموحّدةٍ؟ وإلى أيّ حدٍّ يمكن تحقيق تكاملٍ سياسيّ-أكاديميّ في معيرة اللّغة الأمازيغيّة؟
مَعَيْرَةُ الْلُّغَاتِ بَيْنَ الْبُعْدَيْنِ الْأَكَادِيمِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ - اَلْلُّغَةُ الأَمَازِيغِيَّةُ فِي الْمَغْرِبِ أُنْمُوذَجاً -1-  11028
 تَحْدِيدَاتٌ مَفْهُومِيّةٌ
لأنّ «المُصطلحَات مَفاتيح العُلوم» (السّكاكي، 2000، صفحة 150)، سنُحاول في الفقرة الموالية تَحديدَ بعض المفاهيم السّوسيولسانيّة المركزيّة في هذا الموضوع، لما تعرفه من فوضى مصطلحيّةٍ، إذ تلفّها سدول الغموض واللّبس، حتّى أضحتْ دوالّاً متكافئةً لمدلولٍ واحدٍ، مستوفين في ذلك بعض معالمِها وتفاصيلها، كما بسطتها بعض المعجمات والدّراسات المتخصّصة.
 مَفْهُومُ التَّهْيِئَةِ الْلِّسَانِيَّةِ
يندرج موضوع هذه الدّراسة ضمن إطارٍ عامٍّ هو التّهيئة الْلِّسَانِيَّة، وهو مصطلحٌ سوسيولسانيٌّ حديثٌ جاء به اللّسانيّ الكنديّ جون كلود كوربيل (Jean-Claude Corbeil) في ثمانينات القرن الماضي للتّعبير عن العمليّة الّتي يتمّ بموجبها حلّ النّزاعات اللّغويٍّة عبر تثبيت قوانين خاصّةٍ، وقد استعيرَ من اللّسانيّات الأنجلوساكسونيّة إبّانَ تأهيل فرنسيّة الكيبيك عند بداية النّصف الثّاني من القرن العشرين، وكان يقابل وقتئذٍ في الدّراسات اللّسانيّة الأوربيّة، لا سيّما لدى حلقة «براغ»، مصطلح «التّدخّل اللّغويّ»، الّذي يمسّ اللّغة من خلال مستويين متكاملين (2):
 مستوى المتن: وهو عملٌ يقوم به الباحثون في اللّغة (اختيار الحرف، النّحو، الصّرف، المعجم…)، اعتماداً على الدّراسات المقارنة والوصفيّة والتّاريخيّة لاستيضاح تطوّر المعيار اللّسانيّ كرونولوجيّاً، تحت رعاية مؤسّسات الدّولة وبميزانيّة من المال العامّ، إشارة إلى أنّ هناك دعماً سياسيّاً يرعى رسميّاً هذه اللّغة، ويتبنّى ما ستصير إليه.
مَعَيْرَةُ الْلُّغَاتِ بَيْنَ الْبُعْدَيْنِ الْأَكَادِيمِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ - اَلْلُّغَةُ الأَمَازِيغِيَّةُ فِي الْمَغْرِبِ أُنْمُوذَجاً -1-  102110

 مستوى وضع اللّغة وإعدادها: يتأسّس هذا المستوى على سيرورةٍ عمليّةٍ تقوم على إصدار قوانين (الدّستور، والمراسيم الوزاريّة، والقوانين التّنظيميّة…) تحدّد وضعها ووظائفها (لغة رسميّة، أو لغة وطنيّة، أو لغة محليّة…) في مؤسّسات الدّولة والحياة العامّة، بحيث تهدف هذه العمليّات جميعها إلى صناعة لغةٍ خاصّةٍ تسمّى «معياريّةً» أو «معياراً» (3) استناداً إلى ثلاث خطواتٍ كبيرةٍ:
التّعرّف على الحالة السّوسيولسانيّة الّتي يتمّ الانطلاق منها؛
تحديد الغاية المنشودة من السّيرورات اللّسانيّة المعتمدة؛
وضع استراتيجيّاتٍ خاصّةٍ لتحقيق الأهداف المنشودة (4)؛
وفيما يتعلّق باللّغات الممعيرة أو المهيّأة، فهي تتشكّل استناداً إلى عوامل مرتبطةٍ بالتّقارب اللّسانيّ، من جهةٍ، طالما أنّ لكلّ لغةٍ بنيتها الخاصّة تحدّد طبيعة تهيئتها، وباختلاف القوى الاجتماعيّة الّتي تزيد من قابليّة التّقارب بين الجماعات الإنسانيّة المعنيّة لغاتها بالتّهيئة اللّسانيّة، من جهةٍ أخرى (5).
    مَفْهُومُ التَّخْطِيطِ الْلُّغَوِيِّ
ولد مصطلح التّخطيط في اللّغة الفرنسيّة بدايات القرن العشرين بمجال الاقتصاد بمعنى التّنظيم بمقتضى خطّةٍ. وفي هذا التّحديد إحالةٌ على الدّولة، لأنّ وضع الخطط من اختصاصه (6). وقد انتقل إلى المجال اللّسانيّ سنة 1959م عندما حدّد إينار هوغن (Einar Haugen) تعريفه، في السّياق اللّسانيّ، اعتماداً على التّجربة اللّغويّة النّرويجيّة، بوصفه نشاطاً متعلّقاً أساساً بالمظاهر الدّاخليّة للّغة، يكمن في إعداد اللّغة المعياريّة، والنّحو، والمعجم لتوجيه الكتّاب والمتكلّمين في الجماعة اللّسانيّة غير المتجانسة. (7).
وتشمل هذه السّيرورة «إصلاح بنية اللّغة وأصواتها ووظائفها، وتقنين الكتابة، وتقعيد اللّغة، وبناء المعاجم، وحماية مفردات اللّغة، وإصلاحها وتحديثها، ودعم التّواصل بين الأمم النّاطقة بلغةٍ موحّدةٍ، وأنّ القرارات السّياسيّة الّتي يتبنّاها مجتمعٌ ما نحو لغته تعدّ من السّياسة والتّخطيط اللّغويّ» (8). ويعتمد على سياسةٍ لغويّةٍ واعيةٍ وهادفةٍ، واستعدادٍ لسانيٍّ داخليٍّ وخارجيّ (9). وقد عمل، بعد ذلك، هانز كلوص (Heinz Kloss) على التّمييز بين مفهومين مرتبطين بهذه السّيرورة اللّسانيّة على غرار المستويين السّابقين للتّهيئة اللّسانيّة:
– التّخْطِيط النّظَامِيّ لِلُّغَةِ: يهتمّ بوضعها الاجتماعيّ والسّياسيّ بالمقارنة مع اللّغات الأخرى، وتقسيم الوظائف بين اللّغات المتواجدة في بلدٍ ما.
– التّخْطِيط الْمَتْنِيُّ: يهتمّ بالتّدخّل في مناهج اللّغة عبر البحث في كيفيّة كتابة كلماتها أو تهيئة نحوها ومعجمها (10).
    مَفَاهِيمُ الْمَعْيَرَةِ الْلِّسَانِيَّةِ والْلُّغَةِ الْمِعْيَارِ وأَشْكَال الْمَعْيَرَةِ
لعلّ من أبرز المفاهيم اللّسانيّة – الاجتماعيّة الرّائجة في هذا المجال البحثيّ والّتي تتأسّس عليها البنية المنطقيّة والتّصوّريّة لهذه الدّراسة: الْمَعْيَرَةِ الْلِّسَانِيَّةِ والْلُّغَةِ الْمِعْيَارِ وأَشْكَال الْمَعْيَرَةِ ومُسْتَوَيَاتهَا. ولتوضيحها أكثر نقف على مضامينها الأساسيّة:
1-3-1- مَفْهُومُ الْمَعْيَرَةِ الْلِّسَانِيَّةُ
المعيرة اللّسانيّة (La standardisation linguistique) شرطٌ لإعطاء قيمةٍ للّغة ووسيلةٌ لدراستها (11) بناءً على نسقٍ قواعديٍّ لسانيٍّ يتعيّن على المتكلّمين اتّباعه للتّواصل بينهم. وتستعمل لهذا الغرض تقريباً الأصوات والكلمات والتّراكيب نفسها (12). ومن ثمّ فهي تهيئةٌ لغويّةٌ تخضع من خلالها اللّغة للتّنميط والتّقعيد استعداداً لنقلها من موضع اللّهجة أو اللّغة الشّفويّة إلى مستوى لغة الكتابة والمؤسّسات الرّسميّة التّعليميّة والإداريّة والإعلاميّة (13).
ولذلك فهي لا تعني «طبخ» لغةٍ جديدةٍ على عجلٍ بشكلٍ غير محايثٍ كليّاً لواقع النّاس ولأشكال التّداول اليوميّ، بل هي حلقاتٌ مستدامةٌ ومترابطةٌ من عمليّات التّحويل التّدريجيّة الّتي تتمّ عادةً عبر الانطلاق من فرعٍ لغويٍّ معيّنٍ، وفرضه بقوّة القانون على باقي اللّهجات؛ ليصير بمثابة اللّغة الرّسميّة للبلاد (اللّهجة الباريسيّة في اللّغة الفرنسيّة)، أو صياغة القواعد المعياريّة بناءً على دراسةٍ دياكرونيّةٍ (تاريخيّةٍ) للنّصوص، أو اعتمادا على الدّراسات الميدانيّة الوصفيّة والمقارنة للبحث عن المعيار المشترك في النّسق التّداوليّ للنّاطقين بمختلف اللّهجات بغية توحيدها في لغةٍ جامعةٍ حسب بنياتٍ معياريّةٍ واضحةٍ (الباسكيّة، والكورسيكيّة، والأمازيغيّة…”(14)؛ أي الاشتغال على الجانب الفونولوجيّ لتحييد الاختلافات السّطحيّة، ثمّ الجانب المورفولوجيّ، وانتهاءً بالتّوليد المعجميّ الّذي لا غنى لأيّ لغةٍ عنه، وهي تريد الاستجابة للحاجات المستجدّة للعصر والمجتمع.
1– 3– 2- اَلْلُّغَةُ الْمِعْيَارُ
اَلْلُّغَةُ الْمِعْيَارُ مصطلحٌ يرتبط بعمليّة «جمع الكتابات المسجّلة في كتب النّحو والمعاجم النّظاميّة الّتي توازي ما يمكن قوله، وما لا يمكن قوله، بصفةٍ توافق الاستعمال اللّسانيّ الصّحيح في المجتمع” (15). وقد مرّ هذا المصطلح من مفهومٍ أَوّليٍّ معياريٍّ (Prescriptif) ذي طابعٍ سوسيوثقافيٍّ إلى طابعٍ ثانويٍّ وصفيٍّ (Descriptif) أكثر موضوعيّة (16). فأضحى يدلّ على ذلك الشّكل اللّغويّ البعيد عن التّنوّعات المحليّة والاجتماعيّة والمعتمَد في بلدٍ معيّنٍ كأفضل وسيلةٍ للتّواصل على نطاقٍ واسعٍ من لدن أفرادٍ قادرين على استخدام أشكالٍ لغويّةٍ أخرى. وغالباً ما يكون مكتوباً وموحّداً، ويتمّ بثّهُ من قبل المدرسة والإعلام والمؤسّسات الرّسميّة. ويميل إلى قمع بعض الصّور اللّغويّة المحليّة والجهويّة وفرض تنوّعٍ لهجيٍّ معيّنٍ.
وفي إطار التّهيئة اللّسانيّة، يرتبط ما أتت به “مدرسة براغ” بالنّسبة لمفهوم اللّغة المعيار بالمشاركة المباشرة للّسانيّين المتخصّصين في وصف العادات اللّغويّة، والتّقنين وترقية اللّغة الأدبيّة، حيث تقرّر لديها أنّ اللّغة المعيار ينبغي أن تتأسّس على لغة الأدباء المعاصرين (17). وقد جاء، في هذا السّياق، جون ديبوا (John Dubois) بثلاثة تعريفاتٍ للمعيار اللّغويّ:
    المعيارُ نظامٌ يحدّد ما ينبغي اختياره من لغةٍ ما بحيث يوافق الاستعمال الأمثل جماليّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً؛
    المعيارُ كلّ ما هو شائعٌ ومشتركٌ داخل مجموعةٍ لغويّةٍ؛
    المعيارُ آليّةٌ يمكن من خلالها تصنيف العناصر اللّسانيّة (هذا التّصوّر قريبٌ ممّا جاء به يلمسليف (Hejmeslev) (18).
 
وفي التّداول اليوميّ، يتقارب معنى “اللّغة المعيار” و”اللّغة الموحّدة”، بيدّ أنّ هذه الأخيرة تفترض وجود مؤسّساتٍ تنظيميّةٍ خاصّةٍ تقوم بتوحيدها (19). وهذا يعني أنّه لا توجد لغةٌ معيارٌ نشأت أصلاً «ممعيرةً» (Standard, Standardisée)؛ إذ كلّ اللّغات، بما فيها اللّغات الأكثر رواجاً على الصّعيد الدّوليّ كالإنجليزيّة والفرنسيّة والعربيّة…، كانت في الأصل تنوّعاتٍ لغويّةً خضعت لمسلسلٍ طويلٍ من التّهيئة، وما تزال تخضع لمراجعاتٍ وتدقيقاتٍ متواصلةٍ من طرف الأخصائيّين حتّى يومنا هذا.
كما يقترب مفهوم اللّغة المعيار أيضاً من مصطلح “اللّغة الرّسميّة” الّتي تحيل على اللّغة الموحَّدة للدّولة، أي تلك اللّغة الّتي تشتغل بها، وبشكلٍ موحّدٍ مؤسّساتها، ويستعملها الموظّفون والمسؤولون العموميّون في قراءة وتحرير وإنتاج الوثائق الرّسميّة، وفي خطاباتهم وتصريحاتهم الشّفويّة ذات الصّبغة العموميّة (20).
1-3-3- أَشْكَالُ الْمَعْيَرَةِ الْلِّسَانِيّةِ – مُسْتَوَيَاتُ مَعْيَرَةِ الْلُّغَةِ الْأَمَازِيغِيَّةِ
حدّد كارل كاستيانوس (Carles Castellanos) الباحث في تخطيط اللّغات أربعةَ أشكالٍ من المعيرة اللّسانيّة، ارتباطاً بالأنساق اللّغويّة الجهويّة (21):
    اَلْمَعْيَرَةُ التَّوْحِيدِيَّةُ: تتمّ من خلال الانطلاق من تنوّعٍ لغويٍّ موجودٍ سلفاً (اللّغة الفرنسيّة الّتي تأسّست بالاستناد إلى لهجة جزيرة فرنسا (l’île de France)). وبالنّسبة للّغة الأمازيغيّة، يمكن معيرتها من خلال هذا النّمط باختيار أحد التّنوّعات اللّهجيّة الجهويّة واعتباره اللّغة المعيار (فرضه باعتباره لغةً رسميّةً ووطنيّةً)، والعمل على تطويره لتقريبه تدريجيّا من التّنوّعات اللّهجيّة الأخرى.
    ويبدو أنّ هذا الخيار هو الأسهل والأسرع والأقرب إلى الأجرأة، غير أنّه سيخلق جدلاً كبيراً في الوسط اللّسانيّ المحلّيّ، لأنّه يقوم على إقصاء أجزاء كبيرةٍ من التّراث اللّغوي الأمازيغيّ. ومن ثمّ يعدّ اختيار لهجةٍ من بين اللّهجات الأمازيغيّة الثّلاث الأكثر انتشاراً في المغرب (السّوسيّة والرّيفيّة والأطلسيّة) لتكون قاعدةً تبنى عليها الأمازيغيّة المعيار مجرّد قرارٍ نظريٍّ لا يمكن تطبيقه في الواقع من قبل السّلطات السّياسية، لأنّه سيورّث نزاعاتٍ يصعب احتواؤها (22).
    اَلْمَعْيَرَةُ الْجَمْعِيَّة: تستندُ عمليّة المعيرة في هذه الحالة إلى أنواعٍ متعدّدةٍ من الألسِنَة المعياريّة سلفاً بواسطة المعيرة التّوحيديّة للّغة (معيرة اللّغة الإنجليزيّة البريطانيّة أو البريطانيّة، واللّغة البرتغاليّة البرازيليّة والبرتغاليّة، واللّغة الألمانيّة في النّمسا وألمانيا).
    وبالنّسبة للّغة الأمازيغيّة، يمكن معيرتها من خلال هذه المقاربة عبر تطوير اللّهجات الثّلاث والتّوفيق بينها لتوحيدها فيما بعد، وذلك في إطار ما يسمّى «مقاربة الواحد والمتعدّد». لاسيّما أنّ كلّ تنوّعٍ لسانيّ جهويٍّ يحتفظ بمعجمٍ خاصٍّ غنيٍّ بما يناسب مجاله الطّبيعيّ والمعيشيّ (الرّيفيّة غنيّةٌ بمفرداتيّة البحر والجبل، والأطلسيّة غنيّةٌ بمفرداتيّة المجالات الرّعويّة والسّهليّة والجبليّة، والسّوسيّة غنيّة بالمفرداتيّة البحريّة والصّحراويّة)، فيكون وحده قاصراً على الشّمول والتّعميم، ومن ثمّ يكون الحلّ في الجمع والتّكامل بين مختلف التّنوعات والأداءات اللّغويّة، إذا تمّ التّوافق على نمط كتابةٍ موحّدٍ. وقد يكون هذا الحلّ هو الأمثل للأمازيغيّة في المغرب، لأنّه يمكّن من بناء لغةٍ موحّدةٍ متوافقٍ عليها، وإن كان تنزيله على أرض الواقع يستلزم وقتاً طويلاً، قد يصل إلى أجيالٍ كثيرة (23).
    اَلْمَعْيَرةُ التّركِيبيَّةُ: سيرورةٌ لسانيّةٌ يتمّ بموجبها بناء لغةٍ جديدةٍ مشتركةٍ وجامعةٍ للتّنوّعات السّائدة في منطقةٍ جغرافيّةٍ معيّنةٍ كما وقع لليونانيّة المشتركة (Grecque Koiné). وبالنّسبة للّغة الأمازيغيّة، يمكن معيرتها في السّياق المغربيّ من خلال تحديد التّنوّعات اللّغوية أو اللّهجات السّائدة فيه والعمل على صناعة شكلٍ لسانيٍّ وسيطٍ، يُنشَر فيما بعد بمختلف الوسائل الإعلاميّة والتّربويّة والاجتماعيّة. ومن شأن هذا التّوجّه أن يخلق لغةً موحّدةً، ويزيد من قوّة الرّوابط الاجتماعيّة والثّقافيّة بين أمازيغيّي المغرب. وهو ما سيضاعف من سرعة انتشارها والإقبال على تعلّمها.
ويفترض الاتّجاه نحو المتعدّد المشترك تحديد طبيعة العناصر الّتي يمكن استمدادها من كلّ لهجةٍ جهويّةٍ لتدخل في اللّغة الموحّدة الجديدة، مع تقييم درجة انتشار وسيادة كلّ تنوّعٍ لهجيٍّ لاختيار اللّهجة الأكثر استعمالا (24)؛ غير أنّ هذا الخيار أيضا بعيد المنال. وقد سبق ورفضه ليونيل غالان (Lionel Galand) حين قال: «صُنع لغةٍ أمازيغيّةٍ مشتركةٍ انطلاقاً من اللّهجات الموجودة هو مجرّد نظريّةٍ خياليّةٍ يمكن أن يتغنّى بها أيّ لسَانيٍّ” (25).
خاصّةً أنّ من شأن هذا النّمط المعيريّ أن ينتج لغةً بعيدةً عن الاستعمال اليوميّ، وتسقط بالتّالي فيما يسمّى عدم الجدوى السّوسيولسانيّة، لأنّ الفئة الاجتماعيّة الّتي ستُقبل على التّواصل بها ستكون نسبيّاً محدودةً ومتعلّقةً أساساً بالمثقّفين أو من كان له اتّصالٌ بها من المبدعين والباحثين، الأمر الّذي سيجعلها تمرّ بما سبق وعاشته اللّغة اللّاتينيّة من ظروفٍ صعبةٍ انتهت بضمورها حين تعايشت لمدّةٍ طويلةٍ مع اللّغات الفرنسيّة والإيطاليّة والإسبانيّة… كما أنّها تحتاج لزمنٍ طويلٍ لبنائها وتثبيتها (26).
ولذلك استبعدت مفتاحة عامر، الباحثة في المعهد الملكي للثّقافة الأمازيغيّة، هذا التّوجه لأنّه ليس واقعيّا (27). في حين يراه سالم شاكر مناسبا (28)، بالنّظر إلى كون «التّوافق العامّ لصناعة لغةٍ مشتركةٍ موحّدةٍ ومرنةٍ بين مختلف اللّهجات بدأ يتجلّى، فالتّدرّج في وضع لغةٍ موحّدةٍ جامعةٍ لا بدّ وأن تكون له مزيّة التّركيز على الانسجام والتّوافق بين اللّهجات من جهةٍ، وأن يستجيب من جهةٍ أخرى لضرورة تحقيق التّواصل بين الأفراد المتكلّمين بلهجاتٍ مختلفةٍ، وهذا هو الهدف الرّئيسيّ المرجوّ من اللّغة” (29).
    اَلمعْيَرةُ الْمُسْتَقِلَّةُ: من خلال معيرة تنوّعاتٍ لسانيّةٍ مختلفةٍ باعتبارها لغاتٍ مستقلّةً عن بعضها كحال اللّغة الاسكندنافيّة الّتي تشكّلت من لهجاتٍ متقاربةٍ، وعوض أن تكون لغةً واحدةً، فقد تولّدت عنها لغاتٌ مختلفةٌ (السّويديّة والدّانماركيّة والنّرويجيّة). وبالنّسبة للّغة الأمازيغيّة في المغرب، يمكن معيرتها من خلال هذه المقاربة عبر تطوير التّنوّعات اللّغويّة الثّلاث الأكثر سيادةً في جهات المملكة بصفةٍ منفردةٍ، فيصيرُ كلّ تنوّعٍ لغةً مستقلّةً ومستكفيةً بذاتها:
    السّوسيّة الموحّدة والممعيرة؛
    الرّيفيّة الموحّدة والممعيرة؛
    الأطلسيّة الموحّدة والممعيرة؛
وسيحافظ هذا الخيار المعيريّ على التّنوّعات اللّسانيّة الدّاخليّة لكلّ تلوّنٍ لهجيٍّ، وسيعبّر بموضوعيّةٍ عن الوضعيّة السّوسيولسانيّة للجهات الثّلاث (الشّمال الرّيفيّ والوسط الأطلسيّ والجنوب السّوسيّ)، لكنّه سيخلق انقساماً داخليّاً إذا ما اتّجه نحو تدريسها جهويّاً في إطار المخطّطات السّياسيّة الرّاهنة والتّوزيع الجهويّ الجديد للمملكة المغربيّة.
ولا شكّ، من جهةٍ أخرى، أنّ المتقصّي الموضوعيّ لتاريخ اللّغات في العالم سيقف على الدّوافع وراء التّدخّل البشريّ في تطوير وتأهيل اللّغات، ومهما اختلفت من حيث التّصنيفات والاجتهادات، يمكن القول إنّها لا تعدُو أن تكون:
    سِيَاسِيَّةً – إيدْيُولُوجيّةً: تهدف إلى الحفاظ على هيمنة نخبةٍ معيّنةٍ على دواليب السّلطة، أو إلى إقصاء مكوّناتٍ لغويّةٍ معيّنةٍ، أو تكون دينيّةً عقديّةً تروم إحياء أو ضمان استمرار المقدّس عن طريق تفسيره وتعليمه كما وقع للّغة العبريّة؛
    عِلميّةً مَوضُوعِيّةً: تفرضها الحاجة إلى الإقلاع المعرفيّ والفكريّ لبلدٍ معيّن (30). وبذلك يكون التّدخّل في اللّغة، في هذه الحالة، عمليّةً واعيةً ومنظمّةً وضروريّةً، تختلف أشكالها ومناهجها باختلاف بيئة اللّغات وتاريخها، ولو أنّ تاريخ بعض اللّغات لا يزال في كثيرٍ من جوانبه مستعصياً عن الإحاطة الكلّيّة.
 
ويؤدّي الاختلاف في هذه الدّوافع إلى تنوّع أشكال التّدخّل في اللّغة، لا سيّما أنّ سيرورة المعيرة غير منتهيةٍ؛ إذ بقدر اختلاف طبيعة الدّوافع وأشكال التّدخّل في اللّغات، يختلف الحيّز الزّمنيّ الّذي يمكن أن يستغرقه انتقال اللّغة من الوضع الشّفويّ اللّهجيّ إلى الوضع المعيار المكتوب. فقد تطول المدّة، وقد تقصر، وقد تزيد وتيرة الانتقال، وقد تتباطأ؛ وذلك مرتبطٌ بعوامل مختلفةٍ كالوضع السّوسيولسانيّ، والامتداد الجغرافيّ، وارتباط الأبعاد السّياسيّة بالمنطلقات اللّغويّة، وتعدّد اللّهجات، والعامل الاقتصاديّ، ورمزيّة اللّغة، وعلاقتها بالمقدّس…
غير أنّ الاختلاف في دوافع تشريع السّياسات اللّغويّة لا يعني، بالضّرورة، غياب التّشابه بين اللّغات، خاصّةً في سيرورات تحوّل وضعها السّوسيولسانيّ، لأنّها تشرع بمستوى التّدبير «الأكاديميّ» (الاشتغال على المتن، وتحديد القواعد المعياريّة…)، فمستوى التّدبير «السّياسيّ» (سنّ قوانين في صالح اللّغة، وإرساء مؤسّساتٍ رسميّةٍ مرجعيّةٍ…)، ثمّ مستوىً بعديٍّ يؤثّر فيه البعد السّياسيّ كثيراً، ويرتبط بالتّدبير العمليّ والتّطبيقيّ (تطبيق السّياسة اللّغويّة، وتدريس اللّغة، وتثبيت المعايير اللّسانيّة…).
ولذلك تحظى لغاتٌ عديدةٌ بتوفير كلّ المقوّمات الكفيلة بتطويرها وضمان تنافسيّتها في السّوق اللّغويّة العالميّة، بينما تفتقر إليها لغاتٌ كثيرةٌ، فتعاني من عراقيل قانونيّةٍ وإيديولوجيّةٍ وسياسيّةٍ، وهو حال اللّغة الأمازيغيّة، الّتي توجد فيها تنوّعاتٌ لسنيّةٌ عديدةٌ داخل اللّهجة الواحدة، «وذلك في جميع المستويات اللّسانيّة، ولا توجد لهجةٌ موحّدةٌ، ممّا يجعل اللّغة الأمازيغيّة بحاجةٍ إلى معيرةٍ وتوحيدٍ. وإلّا فإنّ مصيرها سيكون إلى الزّوال والاختفاء بشكلٍ كاملٍ مثل الفينيقيّة واليونانيّة والمصريّة القديمة، أو أنّها ستتحوّل إلى لهجاتٍ موزّعةٍ على المناطق الّتي لم تختف منها… وإن كانتْ قواعدها العامّة قد بقيت محفوظةً على الرّغم من تفرّعها إلى لهجاتٍ متباينةٍ، فقواعد النّحو والكتابة بصفةٍ عامّةٍ بقيت موحّدةً بين جميع النّاطقين بالأمازيغيّة” (31) والسّؤال الّذي يطرح في هذا الصّدد: إلى أيّ حدٍّ يمكن أن تتكامل الأبعاد الأكاديميّة والسّياسية في تهيئة ومعيرة اللّغة الأمازيغيّة؟
    مَعْيَرةُ الْلُّغَةِ الأَمَازِيغِيَّةِ بَيْنَ التَّحَدِّيَاتِ السِّيَاسَيةِ وَالْأَكَادِيِميَّةِ
إذا كان نجاح انتقال اللّغة من الوضع اللّهجيّ إلى الوضع المعيار يرتبط بشكلٍ كبيرٍ بمدى نجاعة التّدبير «الأكاديميّ»؛ أي تحرّي النّهج العلميّ في الأطوار المحدّدة لعمليّتيْ التّهيئة والمعيرة؛ وذلك بتشخيص الوضعيّتينْ اللّسانيّة والسّوسيولسانيّة للّغة، والتّحديد الدّقيق للوضعية المرغوب فيها، ثمّ تسطير استراتيجيةٍ واضحةٍ، واختيار المقاربة الملائمة للمعطيات الرّاهنة، ثم بتدخّل العامل «السّياسيّ» في إصدار التّشريعات اللّازمة لتثبيت المعايير اللّسانيّة، وترسيخ مخرجات البحث الأكاديميّ في الحياة العامّة، فإنّ هذه السّيرورة تعرف اضطراباً كبيراً في حالة اللّغة الأمازيغيّة بالمغرب. إذْ يبدو التّنافر والتّباعد جليّين بين البعدين الأكاديميّ والسّياسيّ بدل تكاملهما في أداء أدوارهما.
ولعلّ السّبب في ذلك يعود إلى أنّ اللّغةَ، كما يقول عبد السّلام المسدّي، «أجلّ من أن تترك بيد السّياسيّين، والسّبب في ذلك أنّ رجال السّياسة يصنعون الزّمان الجماعيّ على مرآة الزّمن الفرديّ، أمّا رجال الفكر، فينحتون زمنهم الفرديّ على مقاس الزّمن الجماعيّ” (32).
وقبل رصد تجلّيات هذه القضيّة وفحص ملابساتها وتفكيك جوانبها المتشعّبة، سنحاول بدايةً استعراض بعض الملامح التّاريخيّة البارزة الّتي شهدتها اللّغة الأمازيغيّة في العقود الثّلاثة الأخيرة، لاسيّما أنّ من بين مقاصد تحبير هذه الورقة إماطة اللّثام عن الظروف الّتي كانت وراء الانقلاب المفاجئ الّذي طبع الخطاب السّياسيّ المغربيّ بخصوص القضيّة الأمازيغيّة، من خطابٍ كان يرفض مجرّد الحديث عن اللّغة الأمازيغيّة إلى خطابٍ يحتفي بكلّ ما هو أمازيغيٌّ، معتبراً إيّاه مكوناً أساسيّاً لشخصيّة الإنسان المغربيّ.
2- 1- اَلتَّطَوُّرُ التَّارِيخِيُّ لِسَيْرُورَةِ مَعْيَرَةِ الْلّغَةِ الأَمَازِيغِيَّةِ
يتحدّد أهمّ حدثٍ تاريخيٍّ شهدته اللّغة الأمازيغيّة قبل مطلع الألفيّة الثّالثة في الخطوة «المفاجئة» الّتي قام بها الملك الرّاحل الحسن الثّاني يوم 20 غشت / آب سنة 1994م، عندما دعا في خطاب ثورة الملك والشّعب إلى ردّ الاعتبار إلى الأمازيغيّة وإدماجها في المنظومتين التّعليميّة والإعلاميّة، قائلا: «لذلك يجب ونحن نفكّر في التّعليم وبرامج التّعليم أن ندخل تعليم اللّهجات، علماً منّا أنّ تلك اللّهجات قد شاركت اللّغة الأمّ، ألا وهي لغة الضّاد ولغة كتاب اللّه تعالى ولغة القرآن الكريم في فعل تاريخنا وأمجادنا” (33). فاستبشر الأمازيغ حينها خيراً، والتمسوا في تلك الكلمات الدّافئة منابت الأمل وعبير الفأل.
لكن لِمَ تأخّر هذا الودّ للقضيّة الأمازيغيّة إلى أن شارفت الألفيّة الثّانية على النّهاية؟ ولمَ حوصر الأمازيغيّون ونُكّل بهم علانيةً، وعُزِلوا في المناطق غير «النّافعة»، ومُسخت هويتهم طوال عقودٍ متتاليةٍ من تاريخ المغرب الحديث؟ ألم تكن المنظومة السّياسيّة على درايةٍ بأمازيغيّة المغرب؟ أم كانت تخشى من أن تشكّل عامل تشتيتٍ لوحدة المغاربة؟ ومهما كان الأمر، قد يكون أهمّ مطلبٍ حقّقته القضيّة الأمازيغيّة بالمغرب في نهاية الألفيّة الثّانية هو إضفاء هذه الشّرعيّة عليها، وجعلها قضيّةً وطنيّةً كبرى. فصار كلّ واحدٍ يتمتّع بحقّ الإسهام في الدّفاع عنها أو النّضال من أجلها، دون أيّ ملاحقةٍ أمنيّةٍ أو متابعةٍ قانونيّةٍ أو رقابةٍ ثقافيّةٍ.
وهكذا مع بداية الألفيّة الثّالثة، جاء التّأكيد الرّسميّ، مرّةً أخرى، في خطاب العرش ليوم 30 يوليوز / تمّوز 2001م، حين أعلن الملك محمّد السّادس عن إدراج اللّغة الأمازيغيّة لأوّل مرّةٍ في المنظومة التّربويّة، ثمّ أكّد بعد شهرين من ذلك في خطاب «أَجْدِيرْ» يوم 17 أكتوبر / تشرين الأوّل 2001م «أنّ الأمازيغيّة الّتي تمتدّ جذورها في أعماق تاريخ الشّعب المغربيّ، هي ملك لكلّ المغاربة بكلّ استثناءٍ، وعلى أنّه لا يمكن اتّخاذ الأمازيغيّة مطيّةً لخدمة أغراضٍ سياسيّةٍ، كيفما كانت طبيعتها” (34)، فتأسّس المعهد الملكيّ للثّقافة الأمازيغيّة، وأدرجت الأمازيغيّة في مناهج التّعليم بحرف «التّيفيناغ» سنة 2003م. وفي سنة 2006م، تقرّر دخولها في الإعلام الرّسميّ، وأنشئت القناة التّلفزيونيّة الأمازيغيّة (القناة الثّامنة) سنة 2010م، ثمّ جاء قرار جواز الاستِـعانة بمترجمين للأمازيغيّة بالمحاكم. ليتقرّر ترسيمها بعد ذلك في دستور 2011م. فأضحت أولويّةً سياسيّةً للدّولة المغربيّة، حيث جاء في التّصريح الحكوميّ لسنة 2012م: «الأمازيغيّة ضمن أولويّات الحكومة، وأنّ قانونها سيتمّ إعداده في إطار الحفاظ على المكتسبات، وهي: كما هو معلومٌ: الإلزاميّة، والتّعميم، والتّوحيد، وتيفيناغ (35).
غير أنّ جلّ هذه القرارات عرفَـت تعثُّـراتٍ كبيرةً، ولم تنجح عموماً في رفع «الحجْـر» عن الأمازيغيّة. فإذا كان مقرّراً تعميمها في التّعليم، فإنّها لم تنجح منذ 2003م إلّا بنسبٍ ضعيفةٍ جدّاً، كما استمرّ منع إطلاق أسماء أمازيغيّةٍ على المواليد وتسجيلها في الحالة المدنيّة. كما لا تزال الأمازيغيّة مجرّد أشكالٍ تراثيّةٍ جوفاء، لا تكتسب أهمّيتها إلّا إذا تمّ توظيفها فيما هو فولكلوريٌّ معروضٌ في سوق السّياحة (غناء، ولباس، ومكوّنات طبيعيّة، وأدوات تراثيّة، وزينة…).
وبناءً على ذلك، لا يمكن تحقيق أيّ رؤيةٍ منفتحةٍ على المكوّن الأمازيغيّ إلّا من خلال تنزيلها على أرض الواقع في مختلف الأبعاد الاجتماعيّة والتّربويّة والقانونيّة والإعلاميّة…، وتفعيل دور مؤسّسةٍ قويّةٍ تنصبّ على دراسة اللّغة الأمازيغيّة بشكلٍ علميٍّ دقيقٍ وعميقٍ في شتّى مكوّناتها وتجلّياتها وحقولها المعرفيّة والتّاريخيّة والواقعيّة. لأنّه «لا يمكن أن تعتبر لغةٌ حيّةً إلّا إذا دخلت في الاستعمال اليوميّ وفي نشر المعرفة العلميّة” (36).
ولذلك سارع المعهد الملكيّ للثّقافة الأمازيغيّة منذ 08 ماي 2002م إلى القيام بالمعيرة اللّسانيّة للّغة الأمازيغيّة، فأصدر العديد من المعجمات والمسارد والأعمال الأدبيّة واللّغويّة، بعد أن ضمّ في مختبراته أكاديميّين ومتخصّصين في العديد من الحقول المعرفيّة، كلّهم رغبةٌ في الانتقال بالأمازيغيّة من الوضع الشّفويّ إلى الكتابيّ.
2-2- اَلْمَعْيَرَةُ الْمَغْرِبِيّةُ لِلُّغَةِ الْأَمَازِيغِيَّةِ
خيّم، بالنّسبة لمعيرة اللّغة الأمازيغيّة في المغرب، هاجس الموازنة بين إعداد لغةٍ معيارٍ قابلةٍ للتّدريس والتّدوين من جهةٍ، والتّوجّس من إمكانيّة خلق انفصامٍ عن التّحقّقات اللّغويّة المتداولة محلّياً، من جهةٍ أخرى. وقد انطلقت هذه السّيرورة بوضع وزارة التّربية الوطنيّة «منهاج تعليم اللّغة الأمازيغيّة» قبل أن يتهيكل المعهد الملكيّ للثّقافة الأمازيغيّة سنة 2011م، ليتمّ تطويره بعد ذلك داخل اللّجنة المشتركة بين المؤسّستين. وقد تواصل بعد ذلك العمل في هذا الورش المفتوح في شقّيه اللّسانيّ – الأكاديميّ والسّياسيّ – الحكوميّ، على الرّغم من كلّ التّوتّرات الّتي شهدها وما يزال يشهدها إلى اليوم.
2-1- اَلْمَعْيَرَةُ الْأَكَادِيمِيَّةُ لِلُّغَةِ الأَمَازِيغِيَّةِ فِي الْمَغْرِبِ
قد يكون تبنّي «مقاربة الواحد والمتعدّد» في معيرة اللّغة الأمازيغيّة في المغرب مناسباً لوضعيّتها اللّسانيّة لأنّ بنيتها العميقة تتخلّلها تحقيقاتٌ جهويّةٌ وتنوّعاتٌ محلّيّةٌ على شكلٍ لهجاتٍ متفرّقةٍ. لا سيّما أنّ تبنّي هذه المقاربة اللّسانيّة الخاصّة جاء تأسّياً بالعديد من اللّغات العالميّة كالإنجليزيّة والفرنسيّة والعربيّة في تعاملها مع البعد اللّهجيّ؛ فبالرّجوع مثلاً إلى تاريخ كلّ من اللّغة الأمازيغيّة والعربيّة، يتّضح، من حيث مراحل تطوّرهما، أنّهما مرّتا من أطوارٍ تكاد تتشابه من حيث الأساس البنائيّ الّذي يرتبط بالتّحوّلاتِ الصّوتيّةٍ أو المعجميّةٍ أو التّركيبيّةٍ أو التّداوليّةٍ الخاصّة بكلّ لغةٍ،…
فأصل اللّغة العربيّة واحدٌ، لكنّها ظلّتْ على شكل لغاتٍ أو لهجاٍت كثيرةٍ، تختلف من قبيلةٍ لأخرى، وجاء الإسلام فوحّدها وقلّص من نفوذ لغات القبائل، ثمّ أصبح كلّ بلدٍ عربيٍّ في العصر الحديث منفرداً بلهجةٍ معيّنةٍ، تنسب إلى القطرِ الّذي تنتمي إليه، كالسّودانيّة والعراقيّة والتّونسيّة والمغربيّة وغيرها.
وكانت اللّغة الأمازيغيّة، من جهتها، واحدةً (pan-berbère)، ونظراً لشساعتها في بلاد «تَامَازْغَا»، الّتي استوطنتها العشائر الأمازيغيّة، وتنقّلت في تضاريسها المتنوّعة، وبسبب الانقسام الجيوسياسيّ الّذي ساد لزمنٍ طويلٍ مناطق شمال إفريقيا، انقسمت اللّغة الأمازيغيّة، وانفردت كلّ جهةٍ بلهجةٍ خاصّةٍ. وهذا أمرٌ معتادٌ في سائر اللّغات، لأنّها كما قال دي سوسير (De Saussure)، إذا تركت وشأنها لا تكون إلّا في صورة لهجاتٍ لا تنتهك إحداها الأخرى، فيكون محكوماً عليها بأن تتجزّأ تجزّؤاً غير محدود (37).
بيد أنّ العناصر الّتي توحّد بين هذه اللّهجات أكثر من الّتي تفرّق بينها، وهي ظاهرةٌ ليست قصراً على المغرب فحسب، بل توجد حتماً في الغرب المتقدّم والعالم المتأخّر، حيث تتعايش في الولايات المتّحدة الأمريكيّة ودول أوروبا وآسيا أكثر من لهجةٍ ولغةٍ؛ بينما يعرف المشهد اللّسانيّ المغربيّ مجموعةً محدودةً من اللّغات واللّهجات، وهي على الأقلّ خمسة أنساقٍ لسانيّةٍ؛ فمن السّكّان من يتكلّم اللّغة العامّية أو الأمازيغيّة ولا يعرف غيرهما، أو العامّية والفصحى، أو الأمازيغيّة والفصحى، أو العامّية والفرنسيّة.
ومن أجل استعمالٍ رسميٍّ ووظيفيٍّ للّغة الأمازيغيّة في مختلف مجالات الحياة العامّة ينبغي التّطرّق لأمرين غايةً في الأهمّية والاستعجال، أوّلهما إيجاد لغةٍ أمازيغيّةٍ موحّدةٍ، وثانيهما تهيئة معجمٍ علميٍّ وتقنيٍّ جديدٍ يلائم هذا التّوحيد (38). وبالنّظر إلى ما تمّ تحقيقه في هذين المستويين، يمكن القول إنّ اللّغة الأمازيغيّة أضحت جاهزةً للتّداول الرّسميّ. ما دام العمل اللّسانيّ قد انتهى إلى وضع دعاماتٍ لغويّةٍ واضحةٍ، وأبرز قواعد معياريّة قابلة للتّدريس، وزكّى لكتابتها حرف “تيفيناغ”، وحافظ على طريقة عمل اللّغة وانتظامها الدّاخليّ، ونمّا المشترك بين الفروع، وحيّد التّحقيقات المحليّة (38). وتندرج كّلّ هذ الاستراتيجيّات فيما أسماهُ جان كالفي أنماط التّدخّل في اللّغة، وهي تقوم على ثلاثة أبعادٍ متكاملةة (39):


تابع البقية :مَعَيْرَةُ الْلُّغَاتِ بَيْنَ الْبُعْدَيْنِ الْأَكَادِيمِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ - اَلْلُّغَةُ الأَمَازِيغِيَّةُ فِي الْمَغْرِبِ أُنْمُوذَجاً -2- 





http://anwarpress.com/271468.html?fbclid=IwAR2XLNVTBDWC4A0dsamMNsu95dBfacgW89Yf63KtZtqg8An9fN3vTnb8K_0