كان وقع الأحداث السياسية الكبرى التي شهدها المغرب في الأيام الأخيرة وخصوصا اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء، وتثمينها لمقترح الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب لحل النزاع، ثم قرار إعادة العلاقات الدبلوماسية مع دولة إسرائيل وقعا كبيرا على ميزان القوى السياسية ووتيرة التدافع الفكري بين التيارات الأيديولوجية المغربية، حيث أماط اللثام مرّة أخرى عن منسوب الوطنية لدى بعض القوى، وكان فرصة لقوى أخرى للعودة الى حلبة الصراع السياسي.
ما يهمنا في هذا المقال، قراءة وتحليل موقف إطارات الحركة الأمازيغية كتيار أيديولوجي متميز، له مكانته في المشهد الفكري والثقافي المغربي، ساهم ولا يزال في إعادة طرح مجموعة من القضايا والمفاهيم الأساسية التي حاولت قوى أخرى احتكار تعريفها ووضعها في خانة المسلم به باسم “الإجماع الوطني”، واستطاعت الحركة الأمازيغية الخوض في مجموعة من الطابوهات السياسية والثقافية سلاحها في ذلك إيمانها بالنسبية والاختلاف، بل ونجحت بشكل كبير في مقاومة كل محاولات التخوين والتشكيك.
في هذا السياق السياسي الجديد إذا، أصدرت التنسيقيات والتنظيمات الأمازيغية بيانا حول مستجدات قضية الصحراء، وقبل تفكيكه، لا بد أن نقول أن هذا السياق – الذي نحن بصدده- كان فأل خير على الحركة الأمازيغية حيث عادت إلى الساحة السياسية والأيديولوجية بعد سبات نوم عميق غاب فيه الصوت الأمازيغي فتراكمت بسببه الاختلالات والتراجعات، وفوتت معه مجموعة من المكتسبات.
ترى التنسيقيات والتنظيمات الأمازيغية أن اعتراف الولايات المتحدة الذي سبقه فتح العديد من الدول لقنصلياتها بالصحراء، وتزايد حلفاء المغرب في ملف الصحراء المغربية مكسبا وتطورا هاما يأذن باقتراب الحل السياسي النهائي لهذه القضية المفتعلة، وهو موقف يسجل للحركة الأمازيغية التي أثبت من خلاله أنها لم تعد حركة ثقافوية كما يريدها البعض، بل حركة ذات مشروع مجتمعي متكامل يستحضر أهمية فهم تاريخ المغرب وتجذر دوره الحضاري في الحوض المتوسطي ومنطقة الساحل، وهو ما من شأنه المساعدة على فهم قضية الصحراء والتعريف بها بشكل صحيح. وتدعو الحركة ذاتها إلى ضرورة استثمار ذلك لبناء مغرب يعتز بعمقه الأمازيغي والافريقي التاريخي والروحي، وبتعدد روافده الثقافية وترسيخ ما ميزه من تسامح وتعايش بين كل المكونات.
من جهة أخرى ثمنت الإطارات الأمازيغية عودة المغرب الى جذوره الافريقية وانخراطه مجددا في منظمة الاتحاد الإفريقي، وهنا تعتقد الحركة الأمازيغية أن الرهان في هذه الظروف، يجب أن يكون منفتحا يتجاوز الولاء لإيديولوجيات أجنبية عن السياق المغربي وعن تاريخه وعمقه الأمازيغي، ويركز على البعدين والإفريقي والمتوسطي خاصة أن الديبلوماسية المغربية نجحت في كسب مزيد من الأنصار والحلفاء ممن غررت بهم الجزائر ومن سار على دربها لضرب وحدة المغرب الترابية.
كما أكدت الإطارات الأمازيغية في بيانها على دعمها وتثمينها لإعادة العلاقات الدبلوماسية العلنية بين المغرب مع إسرائيل، دون التخلي عن عدالة القضية الفلسطينية وضرورة إيجاد حل سياسي بمقاربة جديدة تتجاوز الإخفاقات السابقة وطبقا لما أقرته الشرعية الدولية. موقف سياسي متوازن يحسب مرّة أخرى للحركة الأمازيغية التي أبانت عن نضج كبير في فهم التوازنات وقطع الطريق أمام تجار القضية الفلسطينية، دعم لم يمنعها من الدعوة إلى ضمان حقوق “الجالية ” المغربية اليهودية بإسرائيل التي حافظت على علاقاتها القوية ببلدها الأصلي، وعلى ثقافتها المغربية الأصيلة..
هذا وذيلت الإطارات الأمازيغية بيانها بالدعوة إلى تثمين جهود الدولة المغربية وتحصينها من خلال تقوية الجبهة الداخلية والاستمرار في اليقظة لتحصين هذه المكتسبات الديبلوماسية، وهي فرصة للحركة الأمازيغية للتأكيد على مطالبها التي طالما رفعتها بكل مسؤولية ومنها على الخصوص ضرورة احترام الدولة لجميع التزاماتها في مجال حقوق الإنسان وإطلاق سراح معتقلي الرأي والتظاهر السلمي وعلى رأسهم معتقلي حراك الريف، ثم .مباشرة عملية الإصلاح الديمقراطي الشامل ومحاربة الفساد لضمان التنمية الدائمة والتوزيع العادل للثروة و السلطة و الشراكة في القيم، عطفا على تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية لاجتثاث سوء الفهم الحضاري لهوية الشعب المغربي وفي عمقها الأمازيغية وباقي المكونات الأخرى كالثقافة العبرية والحسانية، كما نادت بإغناء الكتب المدرسية بالمعطيات التاريخية المتعلقة بهذه المكونات، وبالانتماء الإفريقي ـ المتوسطي للمغرب.
ومواكبة منها للانشغالات الشعبية، دعت الإطارات الأمازيغية إلى حل اشكالية ملكية الأرض الذي تعاني منه مختلف المناطق والساكنة الأمازيغية بالعديد من جهات البلاد، بتغيير الظهائر التي تم توظيفها في تجريد السكان من ممتلكاتهم وأراضيهم، والتراجع عن مخطط “تحديد الملك الغابوي” الذي نجمت عنه مظالم كثيرة، واعتماد مقاربة تشاركية في وضع القوانين المتعلقة بالرعي واستغلال الثروات. كما دعت الطبقة السياسية المغربية بمختلف مكوناتها إلى القيام بمراجعة شاملة لمرجعياتها الفكرية والإيديولوجية ولطريقتها في ممارسة العمل السياسي، وذلك باعتماد الفكر المغربي وتراثه وقيمه الثقافية الإيجابية والمشبعة بالنزعة الإنسية، والابتعاد عن الإيديولوجيات الاستيعابية والهدامة التي كان لها على بلدان عديدة أوخم العواقب.
إطارات الحركة الأمازيغية وبكل مسؤولية وقوة وحس وطني كبير، وجهت نداء إلى مغاربة “مخيمات العار” بتندوف لانتهاز هذه الفرصة التاريخية والعودة الى البلاد للمساهمة في تنمية مغرب الجهات التاريخية الكبرى، نداء لا يمكن إلا أن يعكس حقيقة التصور الراقي للفسيفساء المغربية من جانب الحركة الأمازيغية.
وقد ختمت الإطارات الأمازيغية بيانها بموقف وطني مسؤول ينتصر للرصيد التاريخي المشترك بين المغرب والجزائر، ويتأسس على مبدأ الصداقة بين الشعوب وحسن الجوار الذي يسيء إليه النظام الجزائري الذي ظل وفيا لنزوع عدائي تجاه بلادنا مما يفوت على شعوب المنطقة بناء اتحاد مغاربي قوي في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط كخيار استراتيجي سياسي واقتصادي وثقافي.
لا يمكن لأي متتبع لمسار الحركة الأمازيغية إلا أن يبارك هذه المواقف المسؤولة والمشرفة لإطارات الحركة الأمازيغية، التي أكدت مرّة أخرى أن ولاءها لهذا الوطن ليس مجرد شعار، فستظل حاملة لهمومه أكثر من هموم أي كان، وأنها كانت تمتلك تصورات ومواقف تكشف الأيام صوابها مهما حاول البعض التهويل منها، وقد نتفهم أكثر من أي وقت مضى شعور من نال البوار من تجارته التي تستبيح مآسي الناس وآلامهم





هل بدأت الحركة الأمازيغية تستفيق؟  B12



لحسن أمقران

أستاذ متخصص في اللغة الامازيغية ورئيس المنتدى الامازيغي للصحافة والاعلام والكاتب العام الوطني لكنفدرالية جمعيات مدرسي اللغة الامازيغية بالمغرب