الزمن تجمد في كهوف لاسغيل بصوماليلاند
الزمن تجمد في كهوف لاسغيل بصوماليلاند 1365
يتراوح عمر هذه الأعمال بين خمس وعشرة آلاف سنة (اندبندنت عربية)
يحيطها سكان المنطقة بكثير من القدسية ويحذرون الصغار من الصعود إليها
على بعد ساعة واحدة تقريباً من عاصمة صوماليلاند، هرجيسا، في الطريق باتجاه مدينة الميناء "بربرة"، وبعد الانحراف غرباً بالقرب من قرية "طوبَتو"، تجد نفسك أمام واد ضحل وعريض بعض الشيء، يليه سور شبكي يمتد لعدة كيلومترات يمنة ويسرة، وخلف بوابته البسيطة تجد مبنى صغيراً شبيهاً بالمصليات المنتشرة في ريف البلاد.

يستقبلك عدد من الكهول الباسمين من أهالي المنطقة، ليأخذوك في جولة تتطلب جهداً بدنياً ليس بالقليل، لتتمكن من صعود التلة التي خلف المبنى على بعد نصف كيلومتر، لتصعد الدرجات المصنوعة من دون إتقان كبير، حيث يتمكن الزوار من المرور فوق كتل الصخور الجراتينية الكبيرة، وصولاً إلى تشكيلات من الصخور نفسها، تأخذ شكل مظلات عملاقة وكهوفاً غير عميقة، وتتكشف أمام عينيك جداريات غاية في الجمال والدقة، إضافة إلى فجوات منحوتة فيها، تُعرف بكهوف لاسغيل. وعلى الرغم من نعومة النحت، فلا أحد يستطيع الإجابة عن الغرض منها حتى اليوم.
خمسة إلى عشرة آلاف سنة
مع أن سكان المنطقة علموا بوجود تلك الكهوف، وما تحمله من رسومات وتجاويف منحوتة، فإنهم أحاطوها بكثير من القدسية، واستمروا في تحذير الصغار من الصعود إليها، باعتبارها أماكن ذات تاريخ قديم، أو بقعاً وآثاراً تدل على أقوام هلكت، أو ما يتصل بقصص وأساطير تتعلق بالجن والأرواح، التي تغيرت بتغير معتقدات الناس في هذه المنطقة على مدى القرون.
الزمن تجمد في كهوف لاسغيل بصوماليلاند 1-644
تشير الرسومات إلى أن من سكنوا هذه الأرض اعتمدوا على رعي الأبقار لفترة زمنية طويلة (اندبندنت عربية)
وعن توثيق آثار المنطقة، يشير الباحث في التاريخ مهد محمد إلى "مجيء فريق أثري فرنسي تتوجياً لجهود قام بها أثريون صوماليون على رأسهم محمد علي عبدي، الذي شغل منصب المساح في قطاع الآثار بوزارة السياحة لفترة طويلة، وقد تكللت جهوده بالنجاح عام 2002، حيث استطاع الفريق الفرنسي إجراء الدراسات اللازمة لتقدير عمر هذه الأعمال والرسومات، وتقديرها بعمر يتراوح ما بين خمس وعشرة آلاف سنة. كما أن دور الأثرية الصوماليلاندية الدكتورة سعدة مري كان كبيراً في بذل الجهود للمزيد من الدراسة لهذا الموقع، وتسليط الضوء على مواقع أخرى تنتشر في طول البلاد وعرضها، ولا تقل أهمية عن منطقة لاسغيل، مثل طقح كوري وغود نبي غلي وطمبلين".
سجل للحياة
يقول عبدالرزاق عبدالله حسن، المرشد السياحي المقيم في المنطقة، "بالنظر إلى الرسومات يمكنك أن ترى أن الإنسان هنا أراد استخدام هذه الكهوف كسجل لحياة منتظمة ومستقرة، مليئة بالارتباط بالسماء، فالرسومات في معظمها تشير إلى أن من سكنوا هذه الأرض اعتمدوا على رعي الأبقار لفترة زمنية طويلة، وارتبطت حياتهم حول دورة حياتها ومواسمها. فمن جهة ترى رجلاً بأزياء جميلة واقفاً أمام بقرة هائلة الحجم، ويرفع يديه إلى السماء، في توثيق لحركة طقسية تعبدية تدل على الشكر والامتنان، في حين ترى في كهف آخر رجلاً وامرأة يشهدان دورة حياة بقرتهما".
ويضيف حسن أن "الرسومات لا تمثل فقط جانب الحياة الرعوي للإنسان على هذه الأرض، بل تحمل أيضاً مؤشرات على حياة الصيد والترحال. ففي أحد الكهوف، مشاهد تصور الأدوات الرئيسة كالقوس والنبال، وكذلك الطرائد الممثلة في الظباء، وكذلك قطيع من خمسة كلاب تتبع صاحبها، لتساعده في الصيد والحماية".
الزمن تجمد في كهوف لاسغيل بصوماليلاند 1-645
استخدمت هذه الكهوف كسجل لحياة منتظمة ومستقرة (اندبندنت عربية)
ويشير إلى أن اللوحات "لا تخلو من مؤشرات على التغير البيئي وميل الأرض إلى الجفاف، فتدخل في المشهد الرائع رسومات للإبل قد تكون الأقدم في العالم"، قائلاً إن "كل هذه اللوحات نابضة بالحياة، وتكاد تنقل الحركة والصوت في دقتها وإيحاءاتها، وعلى الرغم من بساطتها، فإننا إزاء مشهد لحياة الإنسان على أرضنا يتجمد أمامه الزمن".
الاهتمام والعناية
وحول الجهود المبذولة للعناية بالمنطقة الأثرية، يقول محمد "المنطقة رعوية جافة قليلة السكان، ما أسهم إلى حد كبير في حمايتها، إضافة إلى هالة الغموض والهيبة التي أسبغها أهل المنطقة عليها، لكن فتحها لزيارات السياح قد يؤدي إلى الإضرار بها، إن تم ذلك بصورة غير مدروسة، وهو ما يتطلب وضع استثمارات حكومية وخاصة في سبيل خدمة هذه المنطقة ورعايتها. ولا شك أن هنالك جهوداً في هذا الصدد بدعم من الاتحاد الأوروبي، ونرجو في المستقبل أن يتحقق كثير مما هو مطلوب".

ويشير إلى "خطط لإنفاق سبعة ملايين دولار، بهدف تعبيد الطريق المؤدية إلى المنطقة، وتطوير مبنى استقبال الزوار، وتحسين السور المحيط بالموقع، وكذلك الخدمات للزائرين. وقد تم تدريب مرشدين سياحيين شباب من الجنسين لتقديم الشروح حول أهميته، إنما نأمل في أن تغطي الخطط الجوانب البيئية، ودراسة طبيعة المواد المستخدمة في الرسومات، لحمايتها من أي تأثيرات قد تتسبب بها الزيادة المتوقعة للزوار".


المصدر:مواقع ألكترونية