الإبادة الثقافية: الفظاعة الناعمة للبشرية! الجزء -1 -


الإبادة الثقافية: الفظاعة الناعمة للبشرية! الجزء -1 - 12d8651c-3b75-4ae1-8fca-64134aedaa16


التاريخ الإنساني ملطخ بالأحمر… تلك الريشة التي تنقع في الدم، هي ملك للأمم “المتحضرة” وتلك “المتخلفة” على حد سواء؛ والقارئ لمجلدات تاريخ، بالكاد يجد صفحة واحدة عن فترة سلم تام!
باعتراف الجل، يعد الاستئصال اليوم من الفظاعات التي اجتهدت البشرية فيها حتى نالت أعلى الدرجات. لكننا في هذا الملف، لن نخوض في الإبادة بمفهومها الواسع. سنتحدث تحديدا عن الإبادة الثقافية. تلك الإبادة التي لا تخضع لتجريم في القانون الدولي، الأمر الذي يجعلها، في نظر الكثيرين، خطرا على الإنسانية.
تعرف موسوعة “Black Studies”، الإبادة الثقافية، بكونها إفناء متعمدا وممنهجا لثقافة شعب ما، من قبل مجموعة أخرى. تتم هذه العملية عبر الإرهاب الجسدي والعنف والتعذيب النفسي والإغواء.
فكرة الإبادة الثقافية تقوم إذن على إنكار قيمة الثقافة التي يراد قمعها، والحصول على إذعان وتعاون نَشِط من قبل أولئك الذين يراد تدمير ثقافتهم؛ وكذلك من خلال الدعاية المكثفة والرشوة، وهذا ما يجعل هذا النوع من الإبادة في أحيان كثيرة خفية.
هذه هي الإبادة الثقافية، لا أحد يحصي ضحاياها أو يبكيهم حتى، فهي “مُجرّد” محو لثقافة شعب ضعيف من طرف آخر متفوق… بتعبير آخر، قد لا يكون للون الأحمر، لون الدم، حضور طاغ هنا!
كل ما هنالك، إبادة تعمل على إعدام ثقافة شعب ما والرمي بها إلى أقاصي النسيان. والثقافة، كما قد يجمع على تعريفها، هي كل السمات المميزة، روحيا وماديا وفكريا وعاطفيا، التي يتسم بها مجتمع أو مجموعة اجتماعية ما، تشمل إلى جانب الفنون والآداب، طرق الحياة وأساليب العيش ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات.
بمجرد أن نستأنس بالفكرة التي تقوم عليها الإبادة الثقافية، إذن، تتناهى إلى أذهاننا نماذج كثيرة عرفها التاريخ: ما كان يفعله المستعمرون بإفريقيا، والإسبان بالمورسكيين، والأمريكيون بالشعوب الأصلية لبلدهم، وما تعرض له اليهود في ألمانيا وروسيا، ناهيك عن الحروب التي تعمد اليوم إلى تدمير الآثار الثقافية والفنية للشعوب.
جريمة” غير مجرمة!
يعد المحامي البولندي رافاييل لمكين، أحد أهم من رافع عن إدراج الثقافة كعنصر أساس في الإبادة الجماعية. كان ذلك بداية عام 1933، وقد اقترح إطلاق اسم “الفاندالية” (Vandalism) عليها، نسبة إلى فاندال (الوندال)، القبيلة الجرمانية التي اجتاحت مدينة روما، عام 455 للميلاد، ثم خربتها من أي أثر فني أو أدبي.
لكن اتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948 لم تدرج المفهوم الجديد، إذ اختلفت الدول عليه، حد أن اعتبر بدون قيمة؛ فراحت بذلك جهود لمكين سدى. بيد أن حملته هذه نجحت، على الأقل، في اعتبار الإبادة الجماعية جريمة بمقتضى القانون الدولي.
الحقيقة أن جهود لمكين لم تأت من فراغ، فهذا المحامي كان يهوديا، وقد عايش “الهولوكوست”، المحرقة التي تعرض لها يهود أوروبا على يد النظام النازي، وراحت ضحيتها عائلته، عداه وأحد إخوته.
لمكين أشار في مرافعاته إلى أن مرسوما تم تبنيه عام 1940، اعتبر اللغة الألمانية لغة رسمية للتدريس في لوكسمبورغ، فيما منع اللغة الفرنسية؛ كما استعين بمعلمين أجبروا على تدريس الأفكار القومية الاشتراكية، قصد ضمان نشوء جيل جديد يتفق مع سياسة الدولة.
كما ذكر أن السلطات الألمانية في بولندا، من خلال مكتب الدعاية التابع للرايخ، أبعدت الشباب البولندي عن التعبير عن الروح الوطنية، كما دمرت كل المعالم الوطنية والمكتبات والمحفوظات والمتاحف الخاصة باليهود.
نفس التجربة عاشها اليهود مع روسيا القيصرية، إذ أصدر القيصر بيكولاس الأول عام 1827، قوانين تنص على أخذ أبناء اليهود ووضعهم في بيئة أخرى، إلى غاية بلوغهم عمر الـ25، بغية إعادة قولبتهم ثقافيا ودينيا.


الإبادة الثقافية: الفظاعة الناعمة للبشرية! الجزء -1 - 7105


لذلك ربما تعتبر إسرائيل أولى دول العالم التي تبنت الاعتداء على التراث الثقافي كجريمة دولية… وهي الجريمة التي تقترفها إسرائيل نفسها اليوم ومنذ زمن في حق الفلسطينيين، من خلال تهويد التراث الفلسطيني الثقافي!ونفس الجريمة يقترفها التيار العروبي باسم الدين بتعريب الأخضر واليابس ونسب كل ما هو أمازيغي إلى العرب بكل وقاحة من خلال طمس الحقائق وتزوير التاريخ وتزييف التراث الأمازيغي .ونفس التيار أباد الهويات الشرق أوسطية مثل:السريانية والكنعانية والفينيقية والقبطية وغيرها. 
في كتابه “الإبادة الثقافية”، يفسر الأكاديمي الأمريكي لورنس دفيدسون، رد فعل اليهود هذا تجاه الفلسطينيين، بكون الأشخاص الذين يتعرضون لمستويات عالية من الضغط، يمكن أن يطوروا أنماطا شاذة من السلوك، خصوصا إذا اعتبروا أنفسهم ضحايا؛ فكل مقاومة لهم يبررونها بكونها اضطهادا.



الإبادة الثقافية: الفظاعة الناعمة للبشرية!














http://marayana.com/laune/2018/11/12/3380/