قصة بنات آدم
 قصة بنات آدم 2669
يمكن اعتبار عائلة "آدم وحواء" العائلة الذهبية في تاريخ البشرية. ففي القصص الديني، "تحدّرنا" جميعاً منها. لقد حملنا جيناتهم وطبائعهم، فالخطيئة والغفران ورثناهما من الوالدين، آدم وحواء، والقوة والبأس والكره من قابيل، والطيبة والمحبة والإيمان من شيث، الذي يعني هبة الله. شغفنا بمعرفةِ أصلنا الذي جئنا منه لم تروه الكتب السماوية، لذلك كان لا بدّ لنا أن نخترع حكايتنا الخاصة عنهم، مالئيها بالتفاصيل والأسئلة والأجوبة عمّا أغفلته السردية الرسمية للكتب السماوية، فكانت حكايتنا الخاصة عن العائلة الذهبية سبباً في توسعة أرضنا وفتح آفاقنا أكثر.

قدّمت التوراة معلوماتٍ لابأس بها عن العائلة البشرية الأولى، فقد أوردت أسماء أبناء آدم وحواء الذكور. قابيل الذي قالت عنه حواء، كما جاء في التوراة: "اقتنيتُ رجلاً من عند الربّ". ومن ثم تذكر التوراة بأنّ حواء أنجبت هابيل، وتخصّص بعد ذلك عمل كلٍّ من الولدين، ليكون قابيل زارعَ حبوب، وهابيل راعيَ ماشية. وأنجبت حواء شيث بعد مقتل هابيل، لكنّ التوراة أغفلت ذكر البنات.
الأسرة الأولى في القرآن
لم يتطرّق القرآن إلى ذكر البنية الكاملة لأسرة آدم وحواء، واكتفى بذكر قابيل وهابيل بالأسماء، وأورد أنّ السماء قبلت قربان أحدهما وأشاحت النظر عن قربان الآخر: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ".
هذه الآية تتكلم عن ولدين فقط لا ثالث لهما، وقد افترض التراث الإسلامي بأنّهما قابيل وهابيل استناداً إلى الأحاديث ورواية التوراة. أمّا شيث الولد الثالث، فليس هناك إشارة تدل على وجوده في القرآن، بل اقتصر ذكره على الأحاديث النبوية، فقد قال النبي: أُنزِل على شِيثَ خمسونَ صحيفةً"، وفق ما ورد في كتاب "صحيح" ابن حبان. وعلى صعيد النساء، فلم يأت ذكر أيّ خبر عن امرأة تعود إلى أسرة آدم وحواء، أكانت ابنةً أو زوجة لأحد أبنائهما.
قدّمت التوراة معلومات لابأس بها عن العائلة الأولى، ولكن ذلك لم يشبع رغبة البشرية الملحّة في معرفة أصولها، فكانت قصص بنات آدم الثلاث
تتكرّر حكاية القربان في التوراة كما في القرآن، ولكن مع تفصيل أكثر، وذلك بأنّ هابيل قدّم من أبكار غنمه وسمانها، في حين قدّم قابيل من ثمار الأرض. لقد نظرت السماء إلى قربان هابيل وأشاحت النظر عن قربان قابيل، ولا ريب أنّ جملة "من أبكار غنمه ومن سمانها"، المضافة إلى تقدمة هابيل، في حين ذكرت بشكل عام تقدمة قابيل بجملة "من أثمار الأرض"، تشير بطريقة ما إلى أن أيّ من القربانين سيقبل. وترتب على ذلك بأنّ قابيل قتل أخاه هابيل.
تتابع التوراة سرد الأحداث العاصفة التي مرّت بعائلة آدم، فبعد الجريمة التي ارتكبها قابيل، تزوج امرأة ما وأنجبا حنوك، وبعد ذلك تشجرت عائلة قابيل فأصبحت نسلاً كثيراً.
تستمر التوراة في التأسيس للعائلة البشرية الأولى، وتتكلّم عن شيث الذي كان عوضاً عن هابيل: "إنّ الله قد وضع لي نسلاً آخر عوضاً عن هابيل"، كذلك يعرف شيث امرأته التي أنجبت ولداً اسمه أنوش.
هاتان هما الروايتان الرسميتان لأولاد آدم وحواء، وعلى الرغم من أنّهما عرضا لنا الإبرة/العبرة وأسقطا كومة القش من السردية، إلّا أنّ الأسئلة التي نتجت عنهما كان لا بد منها، لأنّ عائلة آدم وحواء هي النواة الأساسية للبشرية الوحيدة التي لم يكن غيرها على الأرض، وفق الإخبار الإلهي. وعليه، كان السؤال: كيف تكاثرت؟ فإن كانت حواء قد خلقت من نفس آدم/ضلعه، فقابيل وهابيل وشيث لم تكن لهم نساء يعرفنهم كما حدث مع أبيهم آدم.
هذا السؤال استدعى سردية أخرى رتبها العقل البشري وفق مقتضى الحال، بأن افترض ولادة توأم أنثى مع كل بطن من بطون حواء، أي أنّ قابيل جاءت معه توأم أنثى، وكذلك هابيل، أمّا شيث فكان مقتل هابيل دلالة على ولادته لوحده من دون توأم، فأخت هابيل ستكون توأماً افتراضيّاً له، هذا في الرواية التوراتية، ولكن في إحدى الروايات الإسلامية يختلف شيث عن أخويه السابقين فلم تولد معه توأمة.
     لم يكن لقابيل وهابيل وشيث نساء كما حدث مع أبيهم آدم، فمن أين أتت زوجاتهم؟ هل كن حقّاً أخواتهم التوائم اللواتي ولدن معهم؟
قد نتنبه أن افتراض التوأمة  كحل لإيجاد بنات يشي بمطابقة بين تخليق حواء من نفس/ضلع آدم، فالتوأمة هي بيضة قد انقسمت وأنتجت جنينين، كما انقسم آدم عن نفسه، وخُلقت منه حواء، سواء كانت النفس التي خلق منها زوجها كما في القرآن، أو الضلع كما في التوراة، أو بقية الطين الذي زاد عن خلقة آدم، فخلقت منه حواء.
 قصة بنات آدم 11163
بعد أن بسطنا الأرضية التأصيلية للعائلة البشرية الأولى، فلنتعرف على بنات هذه العائلة وسرديتهن المغفلة من المدونة الرسمية، والتي تصدت للبوح بها المدونة الشعبية إن صحّ القول.
الابنة الكبرى

هي شقيقة قابيل التوأم. وقابيل يعني الكاره، لأنّه كان يبغض أخته وهي معه في الرحم، لذلك سمّاه آدم "قابيل"، وكُرهه سينقلب لاحقاً عشقاً وولهاً. أما الطفلة، فتدعى لولوا Luluwa أي الجميلة، لأنها كانت أجمل من أمها حواء، وفق ما ذكر في كتاب "بنات آدم وحواء" الذي يعود إلى سنة 494. إلّا أنّ لهذه الفتاة أسماء كثيرة تعدّدت وفق تعدد المصادر: أقليما، كالمانا، كاينان، آزورا. أقليما، هي تسمية المصادر العربية وفق أبي إسحاق الثعلبي في كتابه "الكشف والبيان في تفسير القرآن" (1425هـ)، وفي مصادر إسلامية أخرى كانت أخت قابيل هي لوسيا، وأخت هابيل هي أقليما.
ومن أسمائها الأخرى: "كالمانا"، و"آزورا" أو "عوان" و"لوزيا"، فتعددت هذه الأسماء حسب المصادر، لكن القاسم المشترك بينها، أنّها كانت توأمة قابيل، وأنّها أجمل من توأمة هابيل، ومن أجلها قَتل قابيل أخاه.
ابنة آدم كانت تعرف بـ"لولوا" أي الجميلة، لأنها كانت أجمل من أمها حواء. تعددت أسماؤها حسب المصادر، لكن المتفق عليه أنّها كانت توأمة قابيل وأجمل من توأمة هابيل، ومن أجلها قتل أخاه هابيل
أيّاً يكن فإن أقليما المكروهة من أخيها في بطن حواء كانت جميلة وكان يجب أن تكون من نصيب هابيل، وتوأمة هابيل من نصيب قابيل، لكن هذا التقسيم الذي أوجده آدم كيلا يزوّج التوائم من ذات البطن من بعضها بعضاً لم يُرض قابيل. فاقترح آدم أن يقدّم كلٌّ منهما قرباناً، ويترك الحكم للسماء.

تختلف القصة عن التوراة لجهة نوعية التقدمات، فقابيل يقدم من غنمه وهابيل من قمحه. أمّا لجهة تدخل الشيطان بالوسوسة لقابيل كي يقتل أخاه، ففي كتاب "بنات آدم وحواء" توسعة كبيرة لهذه الوسوسة، وكلها تتعلّق بـ"لولوا" الجميلة التي ولّهت قلب قابيل، حتى أنّه عنف أمه بسبب أنّها وأباه يريدان تزويجها لهابيل. بعد واقعة التقدمات القربانية وتقبل السماء من هابيل، يقتل قابيل أخاه ويتزوج أخته لولوا/ أقليما غصباً، ويقيم منها نسلاً.
ربما فكّر قابيل بأنّه ولولوا تكوّنا بعد خطيئة أبويهما الجنسية في السماء، وأنّ أخت هابيل أرضية، وهذا لا يناسب المكانة التي اعتقدها بنفسه عن أصوله السماوية وأصول هابيل الأرضية.
توأمة هابيل الحزينة

تدعى توأمةُ هابيل "أكليا"، وفق كتاب "بنات آدم وحواء"، وكتاب "صراع آدم وحواء"، وكتاب "كهف الكنوز"، وكان من المفترض أن تكون زوجة لقابيل، لكن بعد مقتل هابيل وزواج قابيل من لولوا تنتظر حتى ولادة شيث، فتصبح زوجة له.
وقد ذُكر في مصادر أخرى أنّ آدم وحواء أنجبا أولاداً آخرين، لكنّ أسماءهم ظلت مغفلة، أمّا الذين ذُكروا منهم فقد كانوا خمسة، كما جاء في كتاب "صراع آدم وحواء مع الشيطان": قابيل، ولولوا، وهابيل، وأكليا، وشيث.
عندما أراد آدم زيارة البيت العتيق في مكة طلب من السماوات والجبال أن تحفظ ابنه... ما سرّ انبهارنا الأبدي بقصة الأسرة الأولى؟
الأمانة

لا تفترق الرواية الإسلامية كثيراً عن الرواية اليهودية والمسيحية في ذكر أولاد آدم وبناته، وهذه الروايات اتفقت على أسماء الذكور، واختلفت على أسماء الإناث، فكما جاء في "أخبار الزمان" للمسعودي، قليما هي أخت قابيل من ذات البطن، وليوذا هي أخت هابيل من ذات البطن. ويذكر المسعودي بأنّ قابيل رغب بأخته قليما لأنّها أجمل من ليوذا، ولم يكن من حلّ إلّا من خلال تقدمة القرابين.
وجاءت النتيجة بأنّ قبلت السماء قربانَ هابيل ورفضت قربان قابيل، فحقد على أخيه هابيل وأراد قتله. وعندما أراد آدم زيارةَ البيت العتيق في مكة طلب من السماوات والجبال أن تحفظ ابنه، فرفضت، وتصدى قابيل لذلك، وقال: نعم ترجع وترى ولدَك كما يسرّك. فرجع آدم ووجد أن قابيل قد قتل أخاه، وفي ذلك قول القرآن: "إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَات وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ"، وفق ما أورده الثعلبي في كتابه "الكشف والبيان". يتابع المسعودي ذكر أولاد آدم، فيذكر ولادة شيث وتوأمته، وعلى ما يبدو أنّه قد تزوجها، وقد سكت عن ذلك المسعودي.

إشكالية التحريم، أي زواج الإخوة بالأخوات، قد تمت معالجتها في السرديات شبه الرسمية في اليهودية والمسيحية والإسلام، وذلك بأن يزوج كلُّ ذكر بتوأمة أخيه الذكر الآخر. ولربما يعود هذا الحلّ الذي افترض ولادة توأم أنثى مع كلّ ذكر من أولاد آدم إلى أنّ تحريم الزواج بالأخت الذي نُصّ عليه لاحقاً سيكون نافذاً بأقل الاعتراضات، حيث سيقال بأنّ زواج ابنتي آدم وحواء من أخويهما كان استثناء.
قبول التوراة لفكرة زواج الأخوين قابيل وهابيل بالأختين لم يكن مناسباً لبعض السرديات الإسلامية، فقد نقل عن الإمام جعفر الصادق بأنّه تم تزويج قابيل من جنية تدعى "جهانة"، أمّا هابيل فزُوّج بحورية من الجنة اسمها "نزل الحوراء"

هذا الافتراض الذي أوردناه أعلاه لم يكن مطروحاً بالنسبة إلى إحدى السرديات الإسلامية، فقد نقل عن الإمام جعفر الصادق كما جاء في كتاب "بحار الأنوار"، بأنّه قد تمّ تزويج قابيل من جنية تدعى "جهانة". أمّا هابيل فزُوّج بحورية من الجنة اسمها "نزل الحوراء". وقد ترتب على ذلك بأنّ الجمال والخلق الحسن جاءنا من الحوراء، أما سوء الطبع فجاءنا من الجنية. وبعد مقتل هابيل جزع آدم، ولم يقرب حواء مدّة طويلة حتى قيض الله له ذلك، فأولدها شيث الذي زوجه من حوراء في الجنة اسمها "نزلة"، ومن بعد شيث أولدها يافث، فزوجه أيضاً بحوراء من الجنة اسمها "منزلة". وهكذا حُلّت قضية تحريم الزواج بالأخوات في الأسرة الأولى للبشرية.
"عناق"، والدة العملاق "عوج"
يذكر المسعودي في كتابه "أخبار الزمان" بأنّ "عناق"  ابنة آدم وحواء ولدت مفردة بلا أخ، وأنّها كانت غريبة الخلق، لها رأسان، وكان لها في كل يد عشر أصابع، وفي كل اصبع ظفران كالمناجل. وقد ذكر بأنّ الإمام علي قال عنها بأنّها أول من زنى على الأرض، وجاهرت بالمعاصي واستخدام الشياطين. أمّا كيف ترتبت لها القدرة على تسخير الشيطان، فذلك لأنّ الله أنزل على آدم أسماء تطيعها الشياطين، فعلّقتها حواء على نفسها، فكانت حرزاً لها من الشياطين، إلّا أن عناق قامت بسرقتها، وعملت السّحر، وأضلت الكثير من ولد آدم، وأنجبت العملاق "عوج" الذي نجا من الطوفان، وقتله النبي موسى. هذه الأفعال الشنيعة دفعت آدم لأن يدعو عليها، فأرسل الله إليها أسداً كالفيل افترسها.
تعددت المصادر غير الرسمية التي تذكر بنات العائلة البشرية الأولى، فقد جاء ذكرهن في "كتاب بنات آدم" (سنة 494)، وقد أراد البابا جيلاسيوس إدراج هذا الكتاب في المدونة الرسمية، لكن الكنيسة لم توافق. هذا يعني أن الكتاب كان معروفاً قبل ذلك، وهناك كتب كثيرة غيره تناولت سيرة العائلة البشرية الأولى كما هو وارد في كتاب "الوجوه المتعددة للمسيح: قصة الألف عام لبقاء وتأثير الأناجيل المفقودة" (2015)، وكما جاء في كتاب "اليوبيلات اليهودي"، وكتاب "صراع آدم وحواء مع الشيطان"، الذي يعود للقرن السادس، وكتاب "كهف الكنوز"  للقديس كليمنت.
تواجد هذه الكتب دلالة رغبة حاسمة من قبل البشرية في معرفة أصولها التي تتحدّر منها، حتى لو خرجت عن الرواية الرسمية للأديان. هذا الأمر أغنى التجربة البشرية ومنحها الحق بأن تكون لها روايتها الخاصة، سواءً وافقت الكتب السماوية أم خالفتها، فذلك يعني أن الإنسان هو الخليفة لهذه الأرض، وله القدرة أن يسوسها ويشرع في عمارتها.
 
 
 
https://raseef22.net/article/1088677-%D8%A8%D9%86%D8%A7%D8%AA-%D8%A2%D8%AF%D9%85?fbclid=IwAR1m3j-Ei_9tYDBxxDGNPEP6tj55lMBHnvOIKWfUQlfkvT1lljlXYdlvYfc