المومياء الليبية
المومياء الليبية 1---99
ظل التحنيط بالنسبة لنا وربما للعالم كله شأنا مصريا خالصا ,وظلت ليبيا منطقة فراغ حضاري بالنسبة لنا نحن لليبين بشكل خاص رغم المخزون الحضاري الهائل والمتنوع الذي خبأته الرمال الليبية عنا لالاف السنين .
في العقود الأخيرة من عمر ليبيا الطويل بدأت تتكشف للعالم ما خبأته ليبيا في ذاكرة الرمل من أرشيف مذهل ليس لنا نحن بل للكثيرين من الباحثين والعلماء ..
بعد لوحات ماقبل التاريخ التي تعود الى عشرة_الأف_عام والتي رسمها على جدران كهوف الجنوب الليبي رسامون عاشوا هنا ونقلوا حياتهم ومعارفهم عبر تلك اللوحات, تظهر لنا المفاجأة الكبرى "المومياء الليبية " بكل تفاصيلها ...
"وان موهجاج " هو الأسم الذي اطلقه العلماء على هذه المومياء ,وهي ليست لملك ولا لامير اولقائد عسكري بل لطفل صغير لايزيد عمره عن الثلاتة اعوام كما تشير البحوث والتحاليل , وتم تحنيطه بشكل متقن حفظ جثته سليمة لألاف السنين .
كانت المومياء قد تم العثور عليها في وادي وان موهجاج وهو الاسم الذي اطلقه العلماء على هذه المومياء نسبة لهذا المكان بجبال الاكاكوس بالجنوب الليبي من قبل
العالم الايطالي الكبير "فبريتسيو موري " منذ اربعين سنة ,كانت المومياء مدفونة في تجويف صخري بكهف وكانت مخبأة وسط كيس من جلد غزال ومغلفة باوراق نباتات لتبدأ ومنذ لحظة الاكتشاف تلك رحلة البحث عن التحنيط في ليبيا ..
نجد قول جورج مولر ايضا يقول :
"لم يكن هناك تحنيط قبل وصول التحنو والتمحو "الشقر" إلى مصر، ولذلك فإن التحنيط اختراع ليبي"
المومياء الليبية 1---100
جورج مولر يضيف في مقال آخر بعنوان:"المصريون وجيرانهم الليبيون": "التحنو هم السلف الأول للسلالة الأولى، وهم من الأيام الأولى في تاريخ مصر" .
كان قد تم بعد هذا الاكتشاف اكتشاف مومياء اخرى في الجغبوب قرب الحدود المصرية وحدد عمر مومياء الجغبوب بالف وثمانمائة عام ومومياء اخرى بمدينة غات بالجنوب الغربي الليبي وغير بعيد عن وان موهجاج ..
الطفل المحنط "وان موهجاج " نقل الى روما نهايات القرن الماضي
العالم الايطلي "سيفينو" واصل دراساته الميدانية لمنطقة الاكاكوس ولكل ما يتعلق بظروف الحياة الطبيعية فيها عند مرحلة التحنيط "نهايات العصر المطير وبدايات التصحر" حيث تشير كل الحفريات والدراسات الى ان الصحراء الليبية كانت منطقة مطيرة تغطيها الغابات وتجري عبر وديانها الجافة الانهار , مما جعل الاستقرار البشري ممكنا فيها ومما جعل حضارة هامة تتشكل وتنمو وتشير لوحات رسامي ما قبل التاريخ الى كل هذا , وتمثل تلك اللوحات سجل الحياة وظروفها في ذلك الزمن الغابر ..
في روما حدد عمر المومياء بخمسة الأف وخمسمائة عام اي انها اقدم من المومياء المصرية بما يزيد عن الالف عام , هذا الاكتشاف قلب تاريخ التحنيط ومسيرة الحضارة الانسانية ,فبدات ترجح نظرية ان الحضارة المصرية كانت ذروة تطور حضارة الشمال الافريقي ,فبعد ان ظرب الجفاف هذه الرقعة الهائلة هاجر اهلها نحو مصادر الماء ,نحو نهر النيل حاملين معهم معارفهم و معتقداتهم لتجد تلك المعارف والمعتقدات في مصر المناخ المناسب للاستمرار والتطور ..
المومياء الليبية او "وان موهجاج " لطقل ينام نومة الجنين على جنبه الايمن كما كان يدفن الليبيون القدماء موتاهم , يبدو منكمشا على نفسه خائفا ,يقول العلماء ان جمجمته تدل على انه اسود البشرة كغالبية سكان الجنوب الليبي ,ماتبقى من شعره مضفور على شكل ضفائر افريقية , حفظه جلد الغزال والتجويف الصخري و اوراق الشجر من التحلل لخمسة الاف وخمسمائة عام كاملة .
المومياء الليبية 1--303
عملية التحنيط لم تكن صدفة او لتوفر عوامل طبيعية كما يحدث صدفة في بعض الاحيان بل كان نتيجة عملية قام بها محترفون لهذا الفن ,فاحشاء الطفل منزوعة من جوفة بحرفية متخصصين , وتجويف البطن محشو باوراق نباتات لحفظ الجثة كما هي وكل هذا يشير الى معرفة وتطور هذا الفن في ليبيا منذ خمسة الاف وخمسمائة عام كاملة ..
"وان موهجاج " طفل الجنوب الليبي او "المومياء الليبية " لا يغير مسيرة التحنيط وفنونه فقط بل يغير نظرة العالم الى ليبيا التي اسماها الاوروبيون في فترة ما بصندوق الرمل ,فالصندوق ليس فارغا و لايملأه الرمل فقط بل الكثير من الحضارة والتاريخ ..
نشر بجريدة الحياة اللندنية


المصدر : مواقع ألكترونية