لماذا تردد داروين في طرح نظرية التطور لسنوات طويلة؟ ملف شامل في ذكرى ميلاد مؤلف “أصل الأنواع”؟


لماذا تردد داروين في طرح نظرية التطور لسنوات طويلة؟ ملف شامل في ذكرى ميلاد مؤلف “أصل الأنواع”؟ 4751


“لقد بلغت الآن من كِبر السن ما يجعل من غير المرجح لي بأي حال أن أكتب عن نقاط عامة أو صعبة في نظرية التطور“
بهذه الكلمات رد داروين على إحدى الخطابات التي وصلته من أحدهم، يناقشه في نقطة خاصة بالإنسان من وجهة نظر التطور. في تلك الأثناء، كان داروين قد تنحى عما يخص الإنسان والحيوان ووجه اهتمامه إلى دراسة فسيولوجيا النبات، كان النبات أهدأ وألطف ولا تحتاج الأبحاث المتعلقة به للنقاش الحاد. فقد أراد داروين في سنواته الأخيرة التنحي عن صخب الحياة، والعيش في حالة سلام وهدوء خلال أيامه الأخيرة.
تزعزع العقيدة
“كل نوع يتغير”
تشارلز داروين
بعد أن أطلق السيد تشارلز داروين نظريته في كتاب أصل الأنواع عام 1859، تلقى هجومًا غير مسبوق خاصة من رجال الدين، ولم يسلم من العلماء المعارضين. ذلك الرجل الإنجليزي الهادئ المتحفظ. عندما تنظر إليه، ترى في وجهه لمحة حزن وطيبة، له اسم ومكانة مرموقين في الأوساط العلمية. عاش أيامًا بل وسنوات طويلة في حالة من التردد، يخاف طرح ما يجول بخاطره.
أسرّ إلى بعض أصدقائه المقربين بما يفكر فيه بشأن أصل الأنواع، لكنه خاف كثيرًا، لأنه يعلم جيدًا أنّ الإنسان لن يسلم من نظريته تلك. حتى أنّ عقيدته قد ضعفت، وصارح زوجته إيما بهذا الأمر قبل الزواج.


لماذا تردد داروين في طرح نظرية التطور لسنوات طويلة؟ ملف شامل في ذكرى ميلاد مؤلف “أصل الأنواع”؟ Image?url=https%3A%2F%2Fwww.arageek.com%2Fwp-content%2Fuploads%2F2021%2F02%2FIMG_11022021_223244_800_x_500_pixel


أصل الأنواع داروين
كانت إيما امرأة مؤمنة. وكتبت له خطابًا تعارضه بحزم، وتوضح له بأنّ ما يخصه، يخصها. كان داروين رجلًا مهذبًا ولا يكذب، ولم يكن أمامه سوى التعاطف معها وتجنب الحديث في هذا الأمر. حتى بعد موته وُجد خطابها هذا وسط أوراقه وفي نهايته ملحوظة بخط داروين:
“عندما أموت، فلتعرفي أني كثيرًا ما قبّلت هذا الخطاب وبكيت”
تشارلز داروين
تخلى داروين عن المسيحية، فقد قال في إحدى المرات لفيلسوفَين: “لم أتخلّ قط عن المسيحية حتى الأربعين من عمري”. مع العلم، في هذه الفترة فقد والده وابنته آني. لكنه لم يكن ملحدًا كما يظن البعض، إذ رأى أن كلمة ملحد فيها من العدوانية والثقة ما لا يناسب تفكيره. وكان يُفضل أن يُنعت بكلمة (لا أَدَري) التي صاغها صديقه “توماس هنري هكسلي”، وفي هذا الصدد قال داروين: “لا أستطيع أن أدعي إلقاء أدنى ضوء على مشكلات عويصة كهذه. فسِرُّ بداية الأشياء كلها يستحيل علينا أن نحله، وأنا كفرد يجب أن أرضى بأن أظل لا أدريًا”.
والشخص اللا أدري هو الذي لا يؤمن بالذات الإلهية. في نفس الوقت، فهو لا يُكذّب. هذا يعني أنّ داروين كان يتخذ نفس نهج آينشتاين بشأن العقيدة، فقد نشأ آينشتاين في بيت يميل للعلمانية ويرى أنّ أداء طقوس اليهودية أصبح في تعداد العادات والتقاليد، وعندما كان يُسأل آينشتاين عن سبب اهتمامه بإقامة الطقوس اليهودية رغم عدم إيمانه، كان يرد قائلًا: “عجبًا لا أدري!”.
الفرق بين آينشتاين وداروين، هو أنّ داروين لم يكن يهتم بإقامة الطقوس مثل آينشتاين، حتى أنه تجنب أداء طقوس راحة الميت في جنازة والده وكذلك ابنته آني، وترك هذه المهمة لغيره. وفي أواخر أيام حياته، كان يبتعد تمامًا عن أي مناسبات حزينة مثل حضور جنائز الأموات، ولُوحظ ذلك بشكلٍ واضحٍ عندما تخلى عن تشييع جنازة صديقه المقرب تشارلز لايل.
متى أصبح داروين تطوريًا بالضبط؟


لماذا تردد داروين في طرح نظرية التطور لسنوات طويلة؟ ملف شامل في ذكرى ميلاد مؤلف “أصل الأنواع”؟ Image?url=https%3A%2F%2Fwww.arageek.com%2Fwp-content%2Fuploads%2F2021%2F02%2FIMG_11022021_223256_800_x_500_pixel


ليس من الواضح متى حدث ذلك، لقد كان شخصية متحفظة، يدون كل شيء في مذكرة صغيرة في جيبه، يُراسل العلماء والخبراء، ويدون ملاحظاته. يقول ابنه فرانسيس في كتاب “تشارلز داروين: حياته وخطاباته” أنّ والده كان يعمل على أبحاث كثيرة في وقت واحد، وكان يحتفظ بالخطابات التي تصله، ومفكرات الجيب، ولكنه كان يضطر في كثير من الأحيان إلى حرق هذه الخطابات لكثرتها. حتى أقنعه بعض الناس بالحفاظ عليها، وبالفعل اعترف فرانسيس بأنها ساعدته كثيرًا في معرفة حقائق عديدة ومهمة عن حياة والده.
أما عن السؤال: “متى أصبح داروين تطوريا بالضبط؟”، فخطاباتِ داروين لا توضح تاريخ هذا الأمر بشكلٍ دقيق. لماذا؟ ربما لأنّ هذه الفكرة كانت في رأسه قبل الخطابات من الأساس! ربما مثلًا على متن سفينة بيجل؟ حسنًا، لنعود بالزمن للوراء.
سفينة بيجل..تحول داروين من هاوٍ إلى عالم
ودعت سفينة بيجل شواطئ بريطانيا في 27 ديسمبر عام 1831، وعلى ظهرها شاب في الثانية والعشرين من عمره وهو السيد تشارلز ابن روبرت داروين، وكان والده طبيبًا وعضوًا في الجمعية الملكية، وحفيد إراسموس داروين، طبيب وعالم أحياء وشاعر. من الواضح أنّ آل داروين كانوا يحظون بمكانة مرموقة في المجتمع الإنجليزي، إذ لم يعاني تشارلز من أي أزمة مالية طوال حياته. وانتظر والده منه أن يدرس جيدًا ليزيد هذه العائلة الكبيرة شرفًا. لكن الأب لم يدرك شغف ابنه بجمع عينات من الطيور والخنافس والحشرات والنباتات وتأملها وملاحظتها.
لقد سخط تشارلز على دراسة الطب بناءً على اختيار والده، فذهب لدراسة علم اللاهوت في جامعة كامبريدج، تمهيدًا لأن يصبح كاهنًا مسيحيًا. يبدو أنّ والده لم يدرك يومًا ما سيُحدثه ابنه من ضجة عارمة في الأوساط العلمية بطرح نظرية طعنت البشرية في كبريائها واتخذت مقعدًا بجانبِ نظريات كلًا من كوبرنيكوس وفرويد.
حسنًا، لنعود إلى سفينة بيجل. بتوصية من عالم النباتات “جون ستيفنس هنسلو” ضَمِن داروين مكانًا على متن السفينة، لقد تردد تشارلز في قبول السفر، ليس لأنه يكره السفر مثلًا (بالمناسبة لم يغادر داروين بريطانيا قط بعد رحلة بيجل)، لكنه ظن أنه غير مؤهل لهذه المهمة الصعبة، فأرسل له هنسلو خطابًا يقنعه بانتهاز هذه الفرصة، فهو يرى أنه كفؤٌ  للمهمة، وأكد عليه بأنه لم يرشحه للمجاملة، وإنما لكفائته.
اقتنع صديقنا تشارلز وانطلق في رحلة دامت 4 سنوات و9 أشهر و5 أيام. وكان المخطط لها عامين فقط. سفينة بيجل، إنها واحدة من سفن الأسطول البريطاني، ومهمتها مسح الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية، وكانت مهمة تشارلز هي جمع العينات وملاحظتها وهنا يلتقي شغف داروين مع الحياة المهنية.
لم يتمتع داروين كثيرًا، فقد كان القبطان “روبرت فيتزروي”، وهو حفيد الدوق “جرافتون”، رجلًا مسيحيًا متحمسًا، وعندما شاركه داروين أفكاره بدأت النار تشتعل على متن السفينة، وما كان من داروين إلا أن يفضل الصمت ولا يتحدث عن أفكاره مع أحد مرة أخرى حتى تنتهي الرحلة، فهو بطبيعة الحال رجل هادئ ويكره النزاعات (وهذه نقطة مهمة).
في يوم 2 أكتوبر عام 1836 رست السفينة على أرض فالموث في جنوب غرب انجلترا. ونال داروين حريته وبدأ في عرض عيناته وملاحظاتها على الخبراء وكتب مقالات وأبحاث، وكانت النقطة الفاصلة عندما كتب عن رحلة بيجل في كتاب حقق مبيعات عالية ووفرت لداروين شهرة كبيرة وجهّت الأنظار إليه وبدأت أبحاثه وكتاباته تظهر للناس.
بوادر التردد.. أنف السيد داروين تثير الشك
بمناسبة تردد داروين، في يوم 5 سبتمبر عام 1831 قبل إقلاع سفينة بيجل، قابل القبطان فيتزروي السيد داروين لأول مرة، وقتها كان علم الفراسة شائع بين الناس، ومن سوء حظ داروين أنّ فيتزروي من مُناصري هذا العلم. وعليه بُني اعتراض القبطان على داروين في أول الأمر، لماذا؟ لأن شكل أنفه يُوحي بالكسل والتردد. ركز معي على التردد.. هل كان فيتزروي على حق فعلًا؟ ربما، سنرى الآن.
حصيرة البحر وهز الثقة
في عام 1827، وبينما كان داروين شابًا اختاره مُعلم يُدعى روبرت جرانت لمساعدته في أبحاثه، وكان ينتقي أفضل الطلبة للإشراف عليهم. هناك شيء نسيت قوله، لقد كان جرانت معجبًا بالجد إراسموس، فضلًا عن تأييده للاماركية (أتباع نظرية لامارك التي رآها داروين فيما بعد نظرية تافهة وغير منطقية). هل اختار جرانت تشارلز لأنه يحمل لقب آل داروين؟ ربما.
على أي حال، لقد ذاق داروين لأول مرة مرارة السرقة الأدبية. أثناء عملهم على الأبحاث. كتب داروين عدة ملاحظات عن حصيرة البحر. وعندما نُشر البحث، نُسبت هذه الملاحظات لجرانت دون أن يذكر داروين. (بالمناسبة، هنا نقطة مهمة).
قليلًا مع الجد إراسموس


لماذا تردد داروين في طرح نظرية التطور لسنوات طويلة؟ ملف شامل في ذكرى ميلاد مؤلف “أصل الأنواع”؟ Image?url=https%3A%2F%2Fwww.arageek.com%2Fwp-content%2Fuploads%2F2021%2F02%2FIMG_11022021_223323_800_x_500_pixel


نال الجد إراسموس شهرة كبيرة، فقد كان عالمًا ناجحًا، فضلًا عن أنه من مناصري فكرة التحول، وظهرت فكرته هذه في كتاب “فسيولوجيا الحيوان” حيث وضع اقتراحًا يفيد بأنّ: “الحيوانات حارة الدماء، نشأت جميعًا عن خيط حي واحد” وأضاف أنّ السلالة المشتركة تستطيع التحسن، وقد تنتقل هذه التحسينات (أو التطورات) إلى الأجيال التالية. على أي حال، لم يجهد إراسموس نفسه في تدعيم هذه الفكرة بالأدلة، لكن ما فعله بمثابة إلقاء حجر استرشادي لمن يأتون بعده. ولا أظن أنّ الجد كان يعلم بأمر حفيده السيد تشارلز الذي جاء إلى الحياة بعد وفاته بعدة أعوام.
لم يحمل تشارلز اسم جده مثل أخيه، ولكن يبدو أنّ إرثه كان التأمل العلمي والحجر الاسترشادي الذي تركه جده قبل الموت. بالرغم من ذلك، لقد أنكر داروين لاحقًا أنّ تأثره بفكرة السيد إراسموس قد مهدت له الطريق للتفكير في نظريته. لكن لا نستطيع جزم فكرة إنكاره لهذا، ربما يكون التأثير قد وصله بالفعل دون أن يدري.
لماذا رجال الدين تحديدًا؟
في عصر داروين، لم يكن التاريخ الطبيعي أو البيولوجيا من العلوم التي تأثرت بالعلمانية بعد، بل إنها كانت طريقًا للتقوى، ويدرسها رجال الدين. مثال بسيط على ذلك، عالم الوراثة الشهير “مندل” كان في الأصل رجل دين مسيحي، يُجري تجاربه في الدير. لذا، لا عجب في أنهم كانوا أول المعارضين لداروين عند إعلان النظرية.
داروين محدثًا نفسه
“ولكن الإنسان – الإنسان الرائع – استثناء لذلك”
كان لدى داروين عدد من دفاتر الجيب، يسجل فيها ملاحظاته وما يجول في باله. كتب هذه الكلمات مُحدثًا نفسه في إحدى دفاتره، عندما كان يفكر في سر الاختلافات الطفيفة بين أنواع الطيور والنباتات التي جمعها من جزر مختلفة، استنتج أنّ هذه العينات المتشابهة كانت تنتمي إلى نوع واحد في البداية وتفرع فيما بعد. أجل، هي فكرة شجرة الحياة المعروفة. لكنه جاء عند الإنسان واحتار! فالجميع من حوله يؤمن بأنّ الله ميّز البشر عن غيرهم من الكائنات الأخرى. لم يكن علم البيولوجيا والتاريخ الطبيعي إلا طريقًا للتقوى، حتى إنه هو بنفسه كان على وشك أن يصبح عالم تاريخ طبيعي لاهوتي قبل رحلة بيجل!
فكر داروين في غرائز الإنسان المشابهة للكائنات الأخرى، وفي السطور التالية في نفس الصفحة من نفس الدفتر كتب: “الإنسان ليس استثناءً” وتمسك بهذه الفكرة لآخر العمر، ولكنه احتفظ بها في الظلام لم يخرجها إلى النور إلا عندما ظهر الفتى المتحمس (سنعرفه بعد قليل).
مرض داروين الغامض
“الإنسان ليس استثناءً”
كلمات قاسية، تهز العقيدة وتطعن صاحبها نفسه في كبريائه بل إنها كفيلة بهدم كل معاني الإنسانية التي تباهى بها البشر على مر العصور. لقد خرجت البيولوجيا عن مسارها المؤدي للتقوى وخُلِق مسار آخر. ما هو هذا المسار؟ ليس موضوعنا هنا.
أما بالنسبة لمرض داروين الغامض، فقد تزامن ظهور أعراضه مع أبحاثه وكتاباته في دفاترهِ ووصوله لهذا الاستنتاج الخطير. لذلك، يعتقد أنّ هذا المرض نتيجة الإجهاد النفسي الذي تعرض له. وهناك رأي آخر يعزي هذا المرض إلى هجمة تعرض لها في يوم 26 مارس عام 1835 أثناء رحلة بيجل من حشرة سوداء تسمى بنكوكا في سهول أمريكا الجنوبية.
من ناحية أخرى، لقد كانت علاقة تشارلز بوالده متوترة في فترة شبابه، ومن المحتمل أنّ هذا التعارض الفكري بين الأب وابنه قد تسبب بإصابة داروين بحالة نفسية سيئة كانت سببًا في هذا المرض الغامض. حتى إنه ذكر ذات مرة أنّ والده قال له في يوم ما بأنه سيكون “مصدر عار لنفسك ولكل عائلتك” هذه الكلمات قد لا تؤثر على البعض، لكن داروين لم ينسها قط. بالرغم من إعيائهِ المستمر، إلا أنه عاش حياة طويلة، فقد توفي في عمر 73 عامًا. وأنتج مؤلفات وأبحاث كثيرة ومثمرة.
داروين يكشف أوراقه لأول مرة
أجرى داروين تجاربه وأبحاثه في سرية. كان رجلًا صبورًا حقًا. لم يُحدّث أحدًا بما يجول بخاطره لعدة سنوات. كاد صبره أن ينفذ. حتى عام 1843، عندما بدأ بتبادل خطابات مع شاب صار فيما بعد أمينًا على سر داروين. مَن هذا الشاب؟ لنعد للوراء عدة أعوام.
في عام 1839 التقى داروين لأول مرة بشاب يدعى “جوزيف دالتون هوكر” وكان وقتها شابٌ متخصص في التاريخ الطبيعي. لكنهما لم يكونا أصدقاء. لكن بدأت المراسلات بينهما في أواخر عام 1843.
لاحظ داروين أنّ هوكر يفكر مثله أو سيتفهمه، وفي خطاب أرسله إليه عام 1844 أسر إلى هوكر قائلًا: “أصبحت الآن ومنذ عودتي منشغلًا ببحث فيه افتراض بالغ الجرأة” وأضاف عبارة جريئة فيها خوف وتحفظ قائلًا: “وصرت أقرب إلى الاقتناع بأنّ الأنواع ليست ثابتة“. تأخر رد هوكر، مما زاد عصبية داروين، لكن أخيرًا وصل الخطاب بعد أسبوعين وفيه تأييد هوكر وهذا شجع داروين.
آثار التاريخ الطبيعي للخلق.. كتاب كاد أن يصيب داروين بالجنون
في أكتوبر عام 1844، صدر كتاب بعنوان “آثار التاريخ الطبيعي للخلق”، نال هذا الكتاب قبولًا واسعًا وحقق مبيعات هائلة، ونال إعجاب الكثير من الناس. وهو كتاب يبسط العلوم للعامة، وتناول عدة موضوعات منها علم الفلك وأصول الحياة وما أصاب عصبية داروين هو تحدث الكاتب عن جزء حساس عند الناس عامة وداروين خاصة. أجل، إنها فكرة التحول.
كان الكاتب ذكيًّا أو من أتباع التاريخ الطبيعي اللاهوتي. لقد أقر في الكتاب بالتحول وتغير الأنواع، لكنه ذكر أنّ هذه التحولات قد حدثت تحت العناية الإلهية. (أعتقد أنّ الناس وقتها قد تقبلوا هذه الفكرة قليلًا بعد هذه الجملة، ويظهر ذلك من نجاح الكتاب وفضول الناس لقرائتهِ). أما عن صديقنا داروين، فقد رأى أنّ ما ورد في هذا الكتاب محض هراء لا يستند إلى دليل علمي.
لكنه في الحقيقة كان يغلي من فرط الخوف والغيظ، لقد اقترب أحدهم من فكرته التي لم يكشف عنها بعد. من ناحية أخرى، لم يفصح الكاتب عن اسمه. وهذا أثار فضول الجميع ليس داروين فقط. لقد اختار الكاتب أن يبقى مجهولًا. ولكنه عُرف فيما بعد، إنه “روبرت تشامبرز”. لكن اعتقد داروين فيما بعد أنّ هذا الكتاب قدم له خدمة عظيمة، فقد مهد عقول الناس لتقبل نظريته.
البرنقيلات اللعينة
بين عامي 1846 و1854 انشغل داروين في دراسة البرنقيلات، وهو محار يعيش في المياه المالحة. عكف داروين كالراهب في عزلته على هذه الكائنات البحرية، حتى أنّ ابنه جورج في مرة كان يلعب في بيت صديقه، فقال له، أين يعمل والدك على البرنقيلات؟
ثمانية أعوام من عمر داروين، أراد التأكد والدراسة والبحث الدقيق قبل أن ينطق بما في صدره منذ أعوام. وفي 9 سبتمبر عام 1854 أنهى حزم البرنقيلات، بدأ يفرز ما جمعه خلال الأعوام السابقة، تمهيدًا لإخراج نظرية التطور للنور. وعبر في مفكرته عن إحباطه وأسفه بسبب قضاء 8 أعوام في دراسة البرنقيلات. وكان هناك قنبلة موقوتة تنتظره بعد كل هذا التعب.




داروين وشجرة الحياة - نظرية التطور

ألفريد والاس..الضربة الحاسمة
“أعمل الآن بكل مثابرة في كتابي الكبير؛ لقد وجدت أنّ من المستحيل تمامًا أن أنشر أي أطروحة أو مخطط تمهيدي، سأؤدي عملي كاملًا بقدر ما يتاح لي حاليًا من مواد، دون انتظار الوصول إلى الكمال. وأنا مدين لك بحضي على الكتابة بهذا القدر من السرعة”
كانت هذه فقرة من خطاب داروين لصديقهِ تشارلز لايل. قبل هذه الرسالة بفترة، كان هناك شاب رحالة متحمس بكتابِ “الآثار الباقية للتاريخ الطبيعي للخلق” يُدعى ألفريد والاس، انطلق في رحلات كثيرة لجمع العينات. تميز والاس بقوة الملاحظة، وهذا يفسر تفكيره في التحول. أجل، إنها نفس الفكرة التي تردد في طرحها داروين. نشر ألفريد أوراق بحثية عدة، وكان مُعجبًا بداروين ورَاسله عدة مرات. وعندما بدأ يلمح له بخصوص التطور، فوجئ داروين وكاد أن يُجن.
في إحدى الأيام، قابل داروين صديقه المقرب تشارلز لايل وأسر له بما يجول في خاطره بشأن التطور. لم يكن لايل داعمًا للفكرة من الأساس عندما طُرحت من قبل، لكنه دعم صديقه داروين وشجعه على البدء في كتابة أفكاره وتوثيقها. أخذ داروين بنصيحة لايل وبالفعل بدأ في الكتابة وأرسل له رسالة تحتوي على الكلمات السابقة.
أصبح الاتصال بين داروين وألفريد بسيطًا. ويبدو أنّ داروين قد تعمد ذلك، حتى ينجز كتابه قبل أن يصل والاس لأي فكرة متقدمة، وهذا لا يعني أنّ داروين رجل سيء، ولكنه نزيه ويكره أن يُقال عنه أنه سرق أفكار غيره، كما حدث معه من جرانت. من ناحية أخرى، إنه أفنى ما نحو 20 عامًا يبحث في هذا الأمر. إذا سبقه شخص آخر، سيَتحسر بقية عمره.
في 1 مايو عام 1857، أرسل داروين خطابًا لوالاس يهنئه على ورقة بحثية نُشرت مؤخرًا بعنوان “القانون”، وذكر داروين بعض التعليقات الغريبة التي- ربما- لم يلحظها والاس، إذ قال: “هذا الصيف سيمر عشرون عامًا منذ أن فتحت أول دفاتر ملاحظاتي لأكتب عن مسألة كيف تختلف الأنواع والمُتغايرات بعضها عن بعض، وبأي طريقة يحدث هذا”، وأضاف: “أنا الآن أجهز بحثي للنشر، لكني أجد أن الموضوع كبير جدًا، حتى إنني على الرغم من كتابتي لفصول كثيرة، فأعتقد أنني لن أذهب للمطبعة إلا بعد سنتين”، وأوضح أنّ الأمر كبير ولا يتسع الخطاب للشرح. كما نلاحظ مراوغة داروين ليكسب بعض من الوقت.
في 18 يونيو عام 1858، وصل إلى داروين خطابًا كان بمثابة الصاعقة من صديقنا الشاب المتحمس ألفريد والاس، مخطوطة بعنوان: “عن نزعة المتغايراتِ إلى الابتعاد إلى ما لا نهاية عن النمط الأصلي”. أجل، كان يطرح فيها تحول الأنواع، أو أصل الأنواع، وكان الأمر أشبه “بالقشة التي قَصمت ظهر البعير” لداروين.
لم يكن داروين ينتظر ورقة أو مخطوطة من والاس ليكمل نظريته. بالعكس، لقد كان يتهرب منه حتى لا يستلم أي ملكية فكرية خاصة به ويُقال فيما بعد إن داروين سرق نظرية من غيره. وأرسل لصديقه العزيز لايل قائلًا: “لم أرَ مثل هذه المصادفة المذهلة قط”. جاء الرد من لايل يطلب منه البحث عن أي أوراق تثبت أسبقية داروين للفكرة. وكان هذا الرد سارًا لداروين، فقد أسر إلى صديقه جوزيف هوكر الفكرة في عام 1844، ولديه الإثبات. كما كتب ملخصًا من 6 صفحات عن النظرية وأرسله لصديقه عالم نباتات في جامعة هارفارد منذ عام.
أقنع لايل وهوكر صديقهما داروين بأن يقيما اجتماعًا في “الجمعية اللينانية”، وفي يوليو 1858، عُقد الاجتماع وعرضت الفكرة مستندة لبحث داروين ومخطوطات والاس، ولم يحضر كلاهما الاجتماع، فقد كان ابن داروين على مشارف الموت أو ميتًا بالفعل، بينما كان والاس مسافرًا.
خروج أصل الأنواع إلى النور
ترك داروين الكتاب الكبير الذي استنزف منه وقتًا طويلًا ولم يكتمل بسبب صدمة مخطوطة والاس، وبدأ في كتابة أصل الأنواع، وهو مختصر كثيرًا عن الكتاب الآخر الكبير (بالمناسبة، هذا الكتاب لم يخرج للنور قط)، انتهت مسودة الكتاب بعد 10 شهور، تحديدًا في أوائل مايو 1859. ثم بدأت عملية التنقيح وتعديل الأخطاء، وفي أكتوبر 1859، خرج أصل الأنواع للنور. وبدأت الضجة والهجوم. ودخل داروين في نقاشات كثيرة، وتلقى اعتراضات أكثر. (وكانت ليلة كبيرة جدًا)
بعد كل هذا، لماذا تردد داروين في طرح نظرية التطور كل هذه السنوات؟
كان شخصية سمحة، يتجنب النزاعات، وظهر ذلك في شخصيته عندما كان على متن بيجل، فلما وجد آراءه تختلف مع القبطان، ابتعد عن النقاشات التي تخلق توترًا. وعن نظرية التطور، فهو يعلم جيدًا أنها تضرب البشر في كبريائهم، إذ لم يستثن الإنسان منها. وكان للدين أهمية كبيرة وقتها- كما ذكرت- اتخذ الرهبان ورجال الدين التاريخ الطبيعي كطريق لتقوى الله.
إنه يعلم مَن سيواجه في المقام الأول، إنهم رجال دين وعلماء في نفس الوقت مثله. وسيَجدون ثغرات وأدلة أخرى يهاجمون نظريته بها، خاصة إنّ فكرته لم تتحرك من كرسي النظرية إلى الحقيقة (مع العلم، إنّ النظرية تختلف عن الحقيقة تبعًا للمنهج العلمي). من ناحية أخرى، درس داروين علم اللاهوت في الأساس. ورفض نعت نفسه بالملحد- وإن تزعزعت عقيدته – كان يفضل أن يصبح لا أدريًا.
التأكد والحذر من سمات داروين، والتردد أيضًا. تميز داروين بالدقة وقوة الملاحظة، وكان يعرف منهج البحث العلمي تمام المعرفة وأنّ فكرته مجرد افتراض تحتاج إلى بحث وتقصٍ واسع، ربما لذلك، أمضى 20 عامًا يتأكد بأبحاثه ودراساته ويجمع الأدلة الكافية. لكنه ندم على الثماني سنوات التي أمضاها مع البرنقيلات.


لماذا تردد داروين في طرح نظرية التطور لسنوات طويلة؟ ملف شامل في ذكرى ميلاد مؤلف “أصل الأنواع”؟ Image?url=https%3A%2F%2Fwww.arageek.com%2Fwp-content%2Fuploads%2F2021%2F02%2FIMG_11022021_223230_800_x_500_pixel


لم يصل إلى تفسير يؤكد دور الانتخاب الطبيعي في التحول. افترض داروين أنّ تحول الأنواع أو الانتخاب الطبيعي يحدث نتيجة حدوث طفرة ما، وتورث هذه الطفرة عبر الأجيال ويحدث التحول. لكنه لم يفسر، لماذا تحدث ولا تختفي. وهذه نقطة هاجمها الكثير من العلماء.
حياته الشخصية
كانت حياة داروين مليئة بالمشكلات، فقد توفيت ابنته وابنه. كما عانى من مرض ما زال مجهولًا حتى اليوم، تسبب هذا المرض في إعيائهِ لمرات كثيرة وتعطيل عمله عدة مرات. فضلًا عن حياته مع زوجته التي كان يتعاطف معها لخوفها من تفكيره الذي لن يجمعهما في الحياة الأخرى.
عدم توافر الأدلة الكافية
بعدما نزل داروين من على سطح بيجل، لم يغادر بريطانيا قط، بل كان يفضل الانعزال وذهب من لندن إلى قرية داون بعيدًا عن صخب الحياة للتركيز أكثر. وقد كان له ما أراد. لكن هذه العزلة كلفته 20 عامًا، بينما بالمقارنة مع ألفريد والاس الشاب الرحالة المتنقل باستمرار، لم يستغرق الأمر منه عدة سنوات ليصل إلى فكرة داروين، فقد توفرت العينات أمام والاس دائمًا، بينما كانت تصل إلى داروين في البريد.
(لا أعلم إذا كان مفيدًا إضافة ملاحظة فيتزروي عن أنف داروين التي تشي بالتردد والكسل) ….
وأخيرًا.. عندما وصل داروين إلى نهاية العمر، كان قد سأم من النزاعات والتبريرات الكثيرة وانعزل عن العالم. ورحل في عام 1882. تاركًا فئة من البشر في حيرة وشك. هل التطور نظرية صحيحة؟ ما إذا لم تكن كذلك؟ وماذا لو كانت؟ كلها تساؤلات ما زالت مطروحة اليوم في الساحة العلمية. التطور نظرية تتأرجح ما بين التأييد والرفض.
 


عبقرية داروين (نظرية التطور) - الحلقة الأولى






المصادر التي تم الاعتماد عليها في كتابة هذا المقال:

“داروين مترددًا” ..ديفيد كوامن
“أقدم لك داروين والتطور“.. جوناثان ميلر وبورين فان لون
“تشارلز داروين حياته وخطاباته” .. فرانسيس داروين..
 









https://www.arageek.com/2021/02/12/why-darwin-did-hesitate-in-announcing-his-theorem?fbclid=IwAR3OOMYMzEbyTHIeSftjqDuQj-kJg3G4L3zSIIrNrazpHCjQa-cexL013Mk