اسطورة تيريوس ملك تراقيا من الأدب اليوناني القديم
اسطورة تيريوس ملك تراقيا من الأدب اليوناني القديم 1-506
كانت اسطورة تيريوس ملك تراقيا في الأساس مسرحية يونانية مفقودة للشاعر الأثيني سوفوكليس (Sophocles )، ولكن وصلنا اقتباسات كثيرة عنها، فقد تم كتابتها قبل عام (414) ق.م، أو بعد عام (431) ق.م، فقد كان تيريوس(Tereus) ملكا على تراقيا (Thrace) (التي تقع في جنوب شرق اوربا بين بلغاريا واليونان وتحدها جبال البلقان)، وتذكر الأساطير اليونانية بان تيريوس ابن إله الحرب آريس، وقد تزوج من الأميرة بروكني (Procne)، بعد موافقة ابيها بانديون الأول (Pandion) ملك اثينا بسبب التحالف الذي جمع بين الرجلين في زمن الحرب، وأنجبت من تيريوس ابنا يدعى إتيس (Itys)، وكان لملك اثينا ابنة اخرى تدعى فيلوميلا (Philomena) وهي الأكبر والأكثر شهرة وحضوة لدى ابيها بانديون الأول وامها زيوكسيبي (Zeuxippe)، وقد وصفت بانها جميلة، ومرحة، ورقيقة وكانها نسمة الهواء، ولذا كانت رغبة ابيها ان يزوجها إلى احد ملوك اليونان مثل اختها بروكني.
بدأت القصة بعد زواج تيريوس ملك تراقيا من الأميرة بروكني من أثينا، وأخذها للعيش معه في تراقيا، وعاشت هناك خمسة سنوات وانجبت طفلها الوحيد إتيس، وكان الملك تيريوس فرحا به كثيرا، واخذ يعده منذ ولادته ليكون ملكا من بعده، وكانت الملكة بروكني هي الاخرى سعيدة جدا بهذا، ولكنها كثيرا ما تشتاق لاختها فيلوميلا بل وتفتقدها بشدة فقد كانت لهما ذكريا جميلة في قصر ابيهما في اثينا وترغب ان ترى أختها الحبيبة والحديث معها، لذا سعت ان تجلبها للعيش معها في تراقيا، وكثيرا ما كلمت زوجها تيريوس ان يوافق على السفر إلى أثينا، فقد كان له القدرة على إقناع ابيها ملك اثينا بالسماح للأبنته فيلوميلا بالسفر إلى تراقيا لرؤية اختها بروكني، وفعلا تمت الموافقة وأخذها تيريوس في رحلة العودة إلى بلاده، وفي الطريق سيطرة على عقله رغبة الشهوة ويريد أن يمارس الجنس معها، وقد حاول أكثر من مرة التقرب منها لكنها رفضت ومنعته ونبهته بانها تحب اختها بروكني ولا يمكن ان تخونها، ولكن ما ان شارفت الرحلة على الانتهاء حتى ظهرت الحقيقة القاسية والظالمة لدى الملك تيريوس فقد مسك بالقوه فيلوميلا واقتادها إلى الغابة وهناك في داخل كوخ قام باغتصابها ولم يهتم لصراخها وآلامها، وأخذ يهددها بعدم إخبار الناس باعتدائه عليها لانه عمل لا يغتفر وإذا علم الناس في مملكته بجريمته فستقل شعبيته في عيون شعب تراقيا، ولكن فيلوميلا هددت بإخبار أختها بروكني، ومع اصرارها وآلامها قرر تيريوس احتجازها في الكوخ، ولم يكتفي بهذا بل قرر قطع لسانها واغتصابها مرة أخرى، فمسكها بشدة وبالكماشة سحب لسانها وقطعه بنصله الحاد وقام باغتصبتها مرة أخرى، ثم تركها مسجونة في كوخ داخل الغابة، وأخبر زوجته بروكني أن أختها فيلوميلا ماتت خلال الرحلة.
تملك الحزن قلب بروكني وتوقفت عن الكلام وكأن لسانها قطع هو الآخر، ولم يكن أمامها غير أن تصلي للآلهة وتبكي، ونظرا لأن فيلوميلا غير قادرة على النطق بعد ان قطع لسانها لكن اصابعها قادرة ان تصف مأساتها فاختارت بذكاء أن تنسج قصتها فأخذت الصوف وبدأت تنسج سجادة وهي صامتة، فصورت الأحداث المأساوية التي حلت بها وتم التعبير عن التجربة القاسية التي مرت بها وكيف تم إسكاتها بالقوة، وارسلت السجادة إلى اختها بيد أحد الخدم المكلفين بحراسة الكوخ، وعرفت بروكني المصير البائس لأختها وان الألم يقيد فمها وانكشفت الجريمة من خلال الكلمات والصور المنسوجة، فعرفت بروكني مكان أختها واعادتها إلى القصر في تراقيا، وكلاهما قرر الانتقام من تيريوس ملك تراقيا .
اسطورة تيريوس ملك تراقيا من الأدب اليوناني القديم 1-506
قررت كلا الاختين الانتقام من الملك تيريوس وخططوا بان يكون عملهم قاسيا علية، حيث قامت الملكة بروكني بقتل ابنها إتيس (Itys) وتقطيع أوصاله، وعملت من قطع جسده المقطوع حساء قدمته إلى تيريوس عند تناول العشاء، وبعد أن ملأ بطنه وفمه بلحم ابنه، وكعادته طلب تيريوس ان يرى ابنه الوحيد، فأجابت بروكني بأن (إتيس في معدتك)، ولم يفهم! وعلت على وجهه علامات الحيرة والاستغراب، وهنا دخلت فيلوميلا إلى الغرفة وهي تحمل رأس الصبي المقطوع ووضعته أمامه، فتملكه الغضب وصرخ باعلى صوته وهو يسعى لقتل الأختين، وجرى تيريوس وراءهما وكلتاهما تحاولان الهروب من غضبه وهو يلوح بسيفه الحاد، واخذت الاختين في الصلاة إلى الآلهة الأولمبية لتخلصهم من غضب تيريوس وتحويلهم إلى طيور لغرض النجاة، وأخيرا تتدخل الآلهة الأولمبية فحولت فيلوميلا إلى طائرالعندليب فاستعادت صوتها فهذا الطائر صوته جميل، بينما تم تحويل بروكني إلى طائر السنونو وصوته لا عذوبه به لانها قتلت ابنها الوحيد، أما الملك تيريوس فأصبح طائر الهدهد الجميل وله ريش على رأسه وكانه تاج لكنه لا يغرد مثل باقي الطيور.
التعليقات
تعكس قصة اغتصاب فيلوميلا وقطع لسانها من قبل الملك تيريوس وعدم قدرتها على الكلام نمط متشابهة بين الجنسين وتدل على هيمنة الذكور الموجودة في الأدب الكلاسيكي، وتعبر قصة فيلوميلا على أولئك الذين يشغلون في مناصب القوة والامتياز في المجتمع وهم الذين يفرضون إسكات الناس وعدم البوح بآرائهم، وان إسكات فيلوميلا يعطي معنى غلق افواه النساء عبر التاريخ وحتى اليوم، ويمكن إسكات النساء من قبل نظرائهن الذكور فكم من النساء يتعذبن في السجون بسبب اضطهاد الأب أو الأخ أو الزوج، لقد رفضت فيلوميلا الاضطهاد ورفضت السكوت عن الاغتصاب وفقدان النطق بينما توجد العديد من النساء صعوبة في التغلب على السكوت والخوف من الفضيحة في حالات الاغتصاب الذي يتعرضن له بالقوة والتهديد.

بقلم:الأستاذ الدكتور صلاح رشيد الصالحي
تخصص: تاريخ قديم